إقصاء اقتصادي للمغرب غير النافع.


• إقصاء اقتصادي للمغرب غير النافع.

يحل الشتاء ضيفا مزعجا على شعب الأطلسين، والجبال النائية، والقرى المعزلة في الأرض اليباب، ذات الطبيعة الجبلية الوعرة، ضيف يتوشح ثوبا ثلجيا يحمل الموت على أثيره ليخيط للأبرياء أكفنة بيضاء لتحنيطهم، يحل الشتاء وترتعش فرائص تلك القرى، والفئات المغبونة، ليسلبها الدفء وبصيص أمل في الحياة، ليزيد احتمال الهلاك، ويقلص نسب النجاة، شعب جبلي أعزل، يتحدى المناخ البارد والطبيعة الجبلية الوعرة بوسائل بدائية، ويصارع للبقاء في أتون حياة يصرعها الجوع والفناء والبرد، تتظافر كل النوازل لتصعقهم في ديارهم، كأنهم سجناء حوكموا بأعمال شاقة في قطب بارد، وأوصد عليهم في برّادات جبلية يذب فيها الموت ببطء، ليجمد القلوب، وتبلغ الروح حناجر الأبرياء.

ويرتفع سعر الإنسانية المفقودة في دنيا البشر، فالطلب عليها ملحّ، ولكن عروضها خجلى لا تشي بالغرض، كأني -وأنا مصدوم من هول ما أرى من وضعهم- بمخطط جهنمي يسعى لإفنائهم، و يحاصرهم في قبو جبلي من المغرب غير النافع، سيرًا على نهج مالتوسي حتى تتكافأ الثروة القومية مع حاجيات الفئة المترفة الباقية والمتسلطة، ولنمت نحن و نفنى ولا كرامة، فصول من مسرحية رثاء محزنة: نسوة ترملن وبقي في ذمتهنا فراخ بريئة، وعجزة ومرضى قضوا نحبهم، وعراة من يطعمهم ويكسيهم ويسقيهم، أمة تتجمد أوصالها من الصقيع، تضرب المسافات، وتتخطى تلك المرتفعات الوعرة تحتطب لتدفئ بها فراخها، أينتظر المترفون أن يثور الجياع، ويغضب العراة، لماذا لا نجد إجابات واقعية لمعضلتهم، سكان الجبل هؤلاء، والمطمورون في قعر جحيم النسيان هم مواطنون ألا يستحقون منكم التفاتة، لا تدعوهم بعد اليوم إلى روح الوطنية والعروبة والذوبان في منظومتكم، إن عروبتكم لن تغنيهم من جوع، ولن تقيهم لذعة الشتاء، لكن ادعوهم لتقتسموا معهم ما بحوزتكم من موارد وأموال، فهذا الحق وما سواه باطل، نعم يوجد مغرب غير نافع لأنهم أرادوه بلا نفع، وأن يروه في صورة احتضار لا يكابر ولا يعلو عليهم، مغرب في صالحهم أن يبقى مشلولا فقيرا مذلولا، يدفع ثمن مقاومته وأنفته وعزته وإبائه، يدفع ثمن جهاد أجداده وثورتهم ضد عجول الاستعمار وعملائه، يدفعون ثمن أخطاء المستعمر في الظهائر التدميرية التي سموها زورًا ” الظهير البربري”.

تم سجن أمة في كهف، فمن يطل عليها ليضيء بالنور ظلامها الدامس، ويسكت أنين البطون الطاوية، ويحسر امتداد الأوبئة الفتاكة، من يدفع عنهم إصراهم والأغلال التي عليهم، من يكتب عنهم ليعرف قضيتهم للعالم ؟ من ينسج من وحي الألم رواية تراجيدية عن قصة جبل حزين يعتلج بطنه بألم شعب مدفون، لا تطلع عليه الشمس، ولا يضيء ليله ببدر ونجم، أي عجرفة سمجة هذه التي تورّط فيها نظامنا، شعب محاصر، وآخر في بطن المدن نصفه متشرد وثلثه أرامل وفئات تقتات رغيف العيش من ثديها، هنيئًا لكم بهذا البلد المريض، ملف شعب الجبال محرج أخلاقيا، للدولة والشعب معا، إنه يحاكم ضمائرنا الخائرة، ويسائل مثاليتنا وبرامجنا المهيكلة، وأنشطتنا الاجتماعية، ومخططات فك العزلة عن العالم القروي التي خرقت صماخ آذاننا، لكنها عجزت عن فك الحصار عن شعب من الحفاة العراة.

لماذا التكتم عن معاناتهم وملفهم الحساس، وهل تكفي يافطات وشعارات نوشح بها برامجنا؟ لا يستطيع أحد أن ينكر أن أولئك منا أهل البيت من طينة هذا الشعب، لكنهم صنف يعامل معاملة خاصة أساسها التجاهل والتخوف من إثارة الفواجع الإنسانية هناك مع ما تخفيه من آلام اجتماعية، يندى لها الجبين، ندرك أن الاتجاه العام للتنمية يركز على المدن والمركز بالخصوص، حتى عدّ العالم القروي نقطة هامشية يتم ملأ استمارات البرامج الانتخابية بها ليس إلاّ، وما تعانيه بعض المدن ذات الأغلبية الأمازيغية لا يختلف عن موضوع الشعب الجبلي، إن دولتنا الجشعة والخواص يولون أهمية جوهرية للمدن الكبرى والعواصم، ويفوتون لها ميزانيات ضخمة، لأنها تذرّ عليهم أرباحا طائلة، والكل تتحلب أشداقه للاستثمار والمتاجرة في تلك الواحات والورشات في المدن والعواصم التي يسيل لها لعاب المستثمرين ورجال الأعمال، فتوزيع النشاط الاقتصادي ليس عادلا البتة، لأنه يتركز في مدن محددة.

مما يتيح لها رصيدا مذخورا من فرص الشغل والوظائف، وتتحسن فيها المعيشة نسبيا، طبيعي أن يحدث هذا الشرخ وميزانيات جهات مدن مهمشة تفوت لجهات أخرى، سوس على سبيل المثال نموذج للإقصاء الاقتصادي، ولم تؤت نصيبا من فرص التنمية والاستثمارات، وتم كبح قدرات شبابها وأطرها المتفوقة التي تغادر المنطقة لتصرف كفاءتها لمراكز أخرى، سوس لولا إشعاعها السياحي، وبحرها المغري، لضربوا عنها صفحًا، بها ميناء واحد ومعامل وبعض الإيرادات الفلاحية التي تشكل الرئة الاقتصادية لهذه الجهة، بدونها أو بتعطيلها ستؤول المدينة نُهبة للأمراض والبطالة و لشاع فيها الإجرام وألبسوها رداء الجوع والخوف، إنه إقصاء منظم، وتهميش اقتصادي، يتحمّل تبعاته النظام وأذرعه الاقتصادية الأخطبوطية، ورجال الأعمال و الأثرياء الّذين تغريهم الحوافز الربحية ليركزوا نشاطهم في جهة معينة ومدن ذائعة الصيت، حتى الأثرياء السوسيين ولدوا بعقلية “الگرابز” وسمحوا في منبت أصلهم، وحملوا كنوزًا تنوء بحملها العصبة أولو القوة، ليتاجروا بها بعيدا عن محاضنهم التي شبوا وشابوا فيه، إنه خذلان أصاب مستقبل سكان بعض المدن والقرى المهمشة بشلل اقتصادي، و إحباط اجتماعي، خلّفَ هذا ضنكا في المعيشة سبب في استفحال نسبة الجريمة والنهب وظاهرة التشرميل، وشيوع المتاجرة في المحظورات، لأنها السبل الوحيدة للعيش.

هذا الإقصاء الاقتصادي لمدن محددة، هو الذي نمّى فيها النزعة العدائية للمركز، ونزوع نحو التحرر والانفصال، وخرج من يدعو لتحرر الريف من سطوة المركز، ومن يدري فقد تنمو هذه النزعة في سوس ومدن أخرى مهمشة، بالخصوص تلك التي تتركز فيها المناجم، والثروة الفوسفاطية، إذ يتم تلويثها وإصابة أهلها وبيئتها بأوبئة فتاكة، دون أن يستفيدوا هم من تلك المناجم، وثروات الفوسفاط المذخورة في أراضيهم، التي استباحها النظام، ولم ينالوا منها قطميرًا.
هذه صور مقتضبة وما أكثرها من سوء توزيع رأس المال على جهات المملكة، والسياسة الاقتصادية الفاشلة للدولة التي وُلد من رحمها أزمات اجتماعية، ختاما إن من يتأمل وضع سكان الجبال يخيل إليه أنهم كائنات لتمثيل فيلم عن تراجيديا انسانية تمتزج فيها كل التناقضات، فماذا ينتظرون ؟ أن يفنى هؤلاء الأمازيغ ؟ وهمْ أولى الناس بثروة بلدهم، التي تهرب للخارج، وتوزع على أشباح ومشاريع مشبوهة، وتفوت كهبات لدول إفريقية كأننا في غنًى عنها، ثروة علمنا بعد سؤال الملك التاريخي: أين هي ؟ فقد قرأنا بعض تفاصيلها في إحصاءات وأرقام وضعت عفاريتنا على قمة قائمة أغنى قارون، هؤلاء المتصدرين ربما حفظوا ماء وجه المغرب الذي أدمن تصدر ذيل قوائم الصحة والتعليم والرياضة والتنمية، يبقى هذا تذكيرا للناسي، والشكر والتقدير للقوافل الإنسانية التي تشق طريقها للجبال لإعانة المكروبين، لنا ولهم الله سبحانه.


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE