” إدرنان ” في سوس.. عادة أمازيغية راسخة إلى اليوم..


تحل هذه الأيام عادة من أبرز العادات التي لازالت راسخة منذ قرون بمجال أدرار ـ دائرة أنزي أو قبيلة إداولتيت ونواحيها كما كانت تسمى قديما،نجد عادة إدرنان التي يختلف المؤرخون في أصلها وتاريخ بدايتها.حيث يرى البعض أنها تعود إلى القرن الثالث عشر الهجري حين أمر الشيخ محمد أعجلي ـ دفين دوار أفاوزور نواحي مركز تيغمي ـ من قبيلة إداوبعقيل أحد فروع قبيلة إداولتيت الساكنة بالتواصل وتبادل الزيارات في إطار عادة إدرنان وذلك قصد إتاحة الفرصة للمجاهدين ورجال المقاومة للالتفاف على الحصار الضارب انذاك على المنطقة من طرف المستعمر الأجنبي وضمان التواصل بينهم لايصال المعلومات والامدادات لكل المناطق . بيد أن هناك رأيا آخر يربط هذه العادة بطقوس وعادات أخرى منتشرة بشمال إفريقيا وتحتفل بها شعوب المنطقة بطرق تكاد ملامحها قريبة من عادة إدرنان وطقوسها. وعموما يبقى البحث في أصل العادة أمرا متوقفا على الأبحاث والدراسات التاريخية العلمية الحديثة والمستندة إلى مناهج العلوم الانسانية المختلفة التي لم تلقى المنطقة بعد نصيبها منها، وهي وحدها الكفيلة بحسم الكثير من القضايا التاريخية التي لازالت محكومة بتأويلات وتفسيرات يغلب عليها الطابع الأيديولوجي والسياسي لمقاصد معلومة

و يرتبط تخليد مناسبة إدرنان ارتباطا وثيقا بالموسم الفلاحي الذي يشكل أساس التقويم الزمني المعتمد بالمنطقة، وهو تقويم يتحكم في كل مفاصل الحياة الجماعية والفردية للساكنة حيث تنتظم فيه الأشغال الفلاحية من حرث وحصاد ودرس وجني لثمار الأشجار ـ أركان ، زيتون، لوز وخروب إلى جانب المواسم الخاصة بالرجال والنساء على حد سواء، فضلا عن المناسبات العائلية من أعراس وخطبة وتبادل للزيارات وغيرها.

وقبيل انطلاق مناسبة إدرنان بأسابيع تشرع القبائل ـ نوظف هنا لفظ قبائل لأن المناسبة تستند إلى التقسيم القبلي ـ في الإعداد والاستعداد للمناسبة كل حسب دوره، حيث تعرف أسواق المنطقة حركة تجارية هامة يميزها توافد أعداد من الساكنة وأبناء المنطقة المقيمين بمختلف المدن المغربية وبالخارج إلى جانب التجار خصوصا تجار التمور القادمين من المناطق المنتجة ـ خصوصا تجار الشرق : طاطا ونواحيها وهذه العلاقة جديرة بالبحث والدراسة لأنها تحيلنا على روابط المنطقة بتخوم وعمق الصحراء المغربية قديما وحديثا ـ حيث تقدم هذه المادة الأساسية مع الأطباق المختلفة التي تعد احتفاء بالمناسبة. كما تتعزز المحلات التجارية بمنتوجات وبضائع تعرف إقبالا مكثفا خلال المناسبة، وتنضاف إلى الأسواق الأسبوعية سويقات ـ يطلق إسم السويقة على الأسواق التي تنظم خارج الأيام الاعتيادية للسوق الاسبوعي ـ تستقطب تجارا من كل الجهات يقدمون للساكنة اخر المواد لاستكمال التحضيرات لليوم المحدد لمناسبة إدرنان.

وبالإضافة إلى وظيفتها التجارية تشكل الأسواق الأسبوعية خلال مناسبة إدرنان فضاء للتواصل بين أقطاب المناسبة حيث يغتنم المستقبلون فرصة يوم السوق لتوجيه الدعوة إلى المدعوين ـ إذ بدون الدعوة لا يتوجه البعض إلى المناسبة ولو كان المحتفل بها من أقرب المقربين إليه ـ ولذلك يحرص المحتفلون على إتمام الدعوات وتبليغها وإن إقتضى الأمر تكرارها تأكيدا على أهمية المناسبة ودرءا لكل مؤاخذة قد تترتب عن غياب المدعو بسبب عدم تلقي الدعوة .

وبعد استكمال كل الاستعدادات تنطلق الاحتفالات بالمناسبة كمايلي :

الفرقة الأولى : وتنطلق مراسيم مناسبة إدرنان كل سنة ابتداء من الخميس الأخير في شهر يناير حسب التقويم الأمازيغي ـ الفلاحي )يسبق التقويم الميلادي التقويم الفلاحي ب 13 يوما، أي أن بداية السنة الأمازيغية إيض ن إيناير توافق يوم 13 يناير الميلادي ( ، حيث تبتدئ قبيلة تافراوت المولود وأجزاء من قبائل أيت أحمد بتخليد المناسبة باستقبال العائلات والأقارب القادمين من القبائل المدعوين للاحتفاء بهذه المناسبة في أجواء وطقوس تمتزج فيها أطباق الطبخ المحلية المميزة بفن أحواش لكل من الرجال والنساء، وتمتد الافراح والحفلات والطقوس على امتداد أسبوع كامل ينتهي بتوديع الزوار والضيوف بطقوس خاصة منها بالأساس تقديم هدايا وتذكارات محلية أصيلة تختلف باختلاف المنطقة وما تزخر به من منتوجات فلاحية أو صناعة تقليدية أو هدايا من الخارج حسب مكانة كل أسرة وإمكانياتها.

الفرقة الثانية : فتحتفي بمناسبة إدرنان في الخميس الأول من شهر فبراير الأمازيغي ـ الفلاحي وتضم بالأساس قبيلة ءيداوبعقيل ومناطق متفرقة أخرى .

الفرقة الثالثة : تحتفي بالمناسبة أسبوعا بعد ذلك أي في الخميس الثاني من نفس الشهر ـ فبراير ـ ومنها جزء من قبيلة تافراوت المولود ، ومنطقة أداي حتى تخوم منطقة أيت أحمد.

الفرقة الرابعة: تحتفل بالمناسبة يوم الخميس الأول من شهر مارس الأمازيغي ـ الفلاحي وتضم الجزء الثالث المتبقي من قبيلة تافراوت المولود

الفرقة الخامسة : تحفل بمناسبة ءيدرنان يوم الخميس الأخير من شهر مارس الأمازيغي ـ الفلاحي وتضم بالأساس قبيلة ءيداكارسموك الممتدة على مناطق شاسعة بقبيلة إداولتيت.

ومن نافلة القول التذكير بأن عادة إدرنان تطورت على مر القرون والعصور كما تطور المجتمع المحلي. وشأنها شأن العديد من التقاليد الأمازيغية تستمد هذه العادة قدرتها على التجدد والتطور من طبيعة المجتمع الأمازيغي المحلي الذي يتكيف باستمرار مع كل التطورات دون أن ينسلخ عن جوهر قيمه وإرثه الممتد على عشرات القرون. فرغم هجمة العادات والطقوس والقيم القادمة مع الهجرات الوافدة وتطور وسائل الاعلام وحركية الساكنة المحلية في مختلف بقاع الأرض تظل العادات المحلية ومنها عادة إدرنان حاضرة بثقلها وسط هذا الزخم من المناسبات الدينية والوطنية فارضة وجودها على التقويمين الميلادي والهجري اللذان لا يقيمان للتقويم المحلي وزنا ولا يتوافقان في كثير من الأحيان مع صيرورة الحياة بالمنطقة مما يستدعي إعادة طرح سؤال تدبير الزمن بالمنطقة في علاقته بالمؤسسات العمومية خصوصا غذ أن تجاهل زمن المجتمع المحلي يصطدم بشلل تام في المدارس والمؤسسات العمومية خلال المناسبات المحلية .

كتبه : ح ـ أسمد


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*