غليان في الأحياء الشعبية الفرنسية بسبب اغتصاب الشرطة لشاب افريقي وأولاند يدعو إلى التهدئة


ما تزال المظاهرات والاحتجاجات متواصلة في عدد من الأحياء الشعبية الفرنسية، تنديداً بأعمال العنف التي تمارسها الشرطة ضد شباب الضواحي، وكان أبرزها حادث تعنيف واغتصاب الشاب «ثيو» على يد فرقة أمنية في مدينة أولني سوبوا. وأعلنت وزارة الداخلية، أمس، أنه تم اعتقال 25 شابا، لضلوعهم في أعمال عنف وحرق للممتلكات العامة والخاصة في ضاحية سان دوني شمالي باريس. وباتت الحكومة تخشى بشكل جدي تحول هذه المظاهرات من اشتباكات ومناوشات مع الشرطة، إلى انتفاضة شعبية، مثل تلك التي تفجرت في 2005، بعد مقتل مراهقين زياد وبونا» بعد ملاحقتهما من طرف دورية للشرطة. كما حذر مسؤول في جهاز المخابرات الفرنسية، من خطر تفشي ظاهرة الاحتجاجات الليلية إلى باقي المدن والأحياء الشعبية في البلاد.

وفيما تحاول الحكومة الاشتراكية جسر الهوة بين الأحياء الشعبية وقوات الأمن، سارع اليمين المتطرف إلى الوقوف إلى جانب قوات الشرطة، ووصف المحتجين بـ»المنحرفين» من أجل مصالح انتخابية محضة. ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تزيد من حالة الاحتقان الشعبي، وتسكب المزيد من الزيت على النار.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، زار الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، مدينة أوبيرفيلييه في الضاحية الباريسية، أمس، التي ما تزال تعرف احتجاجات ليلية بين شبان هذه الضاحية المعروفة بكثافة سكانية كبيرة من أصول عربية وأفريقية. والتقى الرئيس أولاند عددًا من الشباب والجمعيات الناشطة في مجال حقوق الإنسان، وجدد استنكاره لما وصفه بـ«الحادث المأساوي»، مضيفا أنه «يجب على العدالة أن تأخذ مجراها في هذا الملف (الاعتداء على الشاب ثيو)»، وشدد على ضرورة «احترام شباب الضواحي، عندما يتعرضون لعمليات التفتيش من طرف الشرطة». وأضاف «عندما يكون هناك أي تجاوزات فيجب على العدالة أن تعاقب أولئك الذين يتصرفون خارج القانون». في المقابل، رفض الرئيس الفرنسي أعمال الشغب قائلا « حرية الاحتجاج التي يكفلها القانون لا تعطي الحق لأحد لتخريب الممتلكات العامة والخاصة».

كما رفض الرئيس الفرنسي تصريحات المعارضة اليمينية التي استنكرت سماح وزارة الداخلية لخروج المظاهرات والاحتجاجات في عدد من مدن الضواحي تضامنا مع الشاب ثيو. وقال أولاند إن هناك من «يريد زرع التفرقة بين المواطنين، وتحريض فئة اجتماعية على فئة أخرى. عمليات التحريض هذه مرفوضة في بلادنا». في إشارة إلى تصريحات اليمين المتطرف، الذي يشن حملة شعواء ضد شبان الضواحي، وحمّلهم مسؤولية التجاوزات التي تقوم بها قوات الأمن ضدهم.

وتأتي زيارة أولاند لمدينة أوببرفيلييه، بعد استقبال رئيس الحكومة برنار كازنوف، في مقر رئاسة الحكومة لعدد من الجمعيات الحقوقية المناهضة للعنصرية، لدراسة الحلول الناجعة، من أجل كف الشرطة عن تعنيف الشباب وإهانتهم. وأكد أن «الانفعال شرعي رداً على ما تعرضه له الشاب ثيو، والعنف ضد شباب الضواحي مستهجن ومرفوض، لكن أعمال الشغب مرفوضة أيضا». يذكر أن وزارة الداخلية الفرنسية أعلنت قبل أيام أنها ستقوم بتزويد الشرطة الفرنسية، بكاميرات محمولة، تفاديا لأية خروقات أو تجاوزات، عند قيامها بعمليات تفتيش المواطنين.

وفيما كانت كل الأحزاب تدين أعمال العنف التي تورطت فيها الشرطة، انبرى حزب اليمين المتطرف للدفاع عن قوات الأمن واستهجان ما اعتبره «عنف مجموعة من المنحرفين في الضواحي». ورفض حزب «الجبهة الوطنية»، التنديد بعملية تعنيف واغتصاب الشاب ثيو، وفضل صب جام غضبه على شبان الضواحي، وبرأ الشرطة من مسؤولية أعمال العنف التي تمارسها ضدهم.

واعتبرت رئيسة الحزب مارين لوبان أن المظاهرات المتواصلة سببها «غياب صرامة الحكومة في التصدي للمنحرفين، الذين يستغلون كل فرصة من أجل إبراز كراهيتهم لفرنسا وللدولة». وأعادت التذكير بما تعهدت به في برنامجها الانتخابي، عبر «اقتلاع جذور الإجرام والانحراف، بفرض سلطة القانون، وتسليح الشرطة وإنزال أشد العقاب بالمنحرفين والمجرمين في الضواحي».

الأمين العام لحزب اليمين المتطرف نيكولا باي، اعتبر بدوره في حديث، أمس، لإذاعة «أر أم سي»، أن الحل الوحيد في الضواحي يكمن في فرض سلطة القانون بكل صرامة وإنزال العقاب على من أسماهم «مجموعة من الرعاع والملتحين الإسلاميين، وتجار المخدرات». كما هاجم القيادي اليميني،ا لرئيس فرانسوا أولاند، بسبب زيارته للضواحي، و»عدم زيارته لأفراد الشرطة الذين أصيبوا إصابات بالغة من طرف هؤلاء الرعاع». كما زعم نيكولا باي أن الداء لهذه المشاكل المستعصية منذ عقود في الضواحي الفرنسية يعود سببه إلى «الهجرة وعدم رغبة المهاجرين في الاندماج في المجتمع الفرنسي». وأضاف أن «كل الإرهابيين الذين نفذوا هجمات ضد بلادنا هم من المهاجرين».

كما أطلق اليمين المتطرف عريضة إلكترونية «لمساندة قوات الشرطة»، ودعت مارين لوبان المواطنين إلى التوقيع بكثافة عليها، رداً على الحملة الشعبية المساندة للشاب ثيو الذي تعرض للتعنيف والاغتصاب على يد قوات الأمن. ويتحرك اليمين المتطرف بحسابات سياسية يرغب باستمالة أصوات هذه الشريحة الاجتماعية، من أجل التصويت عليها في الانتخابات الرئاسية. كما ترغب مارين لوبان في إبراز «سلطتها» عبر فرض «الحل البوليسي» في التعامل مع كل أشكال الاحتجاجات في الضواحي الفرنسية.

يُشار إلى أن استطلاعا للرأي أجراه معهد العلوم السياسية في باريس، في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، خلص إلى أن 57 في المئة من رجال الشرطة والدرك أبدوا استعدادهم للتصويت لليمين المتطرف في الانتخابات الرئاسية المقبلة، بينما كانوا 30 في المئة فقط في الانتخابات الرئاسية السابقة في 2012.


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE