عيد سعيد سيادة الرئيس..


الخميس الماضي، الثاني من آذار (مارس) صادف عيد الميلاد الـ80 للرئيس عبد العزيز بوتفليقة. ثمانون عاما قضى منها نحو 36 في أعلى دوائر صناعة القرار في الجزائر. منها 18 عاما رئيسا.
ليس بوتفليقة وحده في هذه الحال، وإن كان يحمل رمزية خاصة بحكم منصبه، وبالنظر إلى حالة التصحر التي قاد إليها البلاد منذ تولى رئاستها في 1999. لنتأمل:
قائد أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح (80 عاما).
رئيس الحكومة، عبد المالك سلال (69 عاما).
رئيس الغرفة العليا للبرلمان (مجلس الشيوخ)، عبد القادر بن صالح (76 عاما).
رئيس الغرفة السفلى للبرلمان، العربي ولد خليفة (79 عاما).
أمين عام جبهة التحرير الوطني، جمال ولد عباس (أكمل 83 عاما الشهر الماضي).
أمين عام الاتحاد العام للعمال الجزائريين (أكبر نقابة في البلاد عددا، وهو فصيل من فصائل أجهزة الحكم)، عبد المجيد سيدي السعيد (71 عاما).
عبد اللطيف رحال، المستشار الدبلوماسي للرئيس بوتفليقة، استمر في منصب المسؤولية والقرار إلى أن توفي في آخر أسبوع من 2014 وهو في الثانية والتسعين.
أغلب المسؤولين الآخرين من وزراء وصنّاع قرار تتراوح أعمارهم بين 65 و75 عاما، باستثناء وزيرة البريد وتكنولوجيات الاتصال، هدى فرعون، التي تقف على عتبة الأربعين. وقد شكّل تعيينها وزيرة حدثا اقترب إلى الصدمة بسبب عمرها الذي جعل منها حفيدة وسط الأجداد.
يحدث هذا في بلد عمره 55 عاما فقط. وثلاثة أرباع سكانه دون الثلاثين (وفق الكثير من الإحصائيات)، يتحدثون لغة لا أفهمها أنا ومَن في عمري، ويفكرون بطريقة أجد صعوبة في استيعابها، فما بالنا ببوتفليقة وجيله.
الجزائر بلد لا يتوقف فيه الخطاب الرسمي عن الإشادة بالشباب، والثروة البشرية، وتسليم المشعل، وإشراك الشباب في المسؤولية وصناعة القرار، وغير ذلك من الشعارات الطنانة.
لكن الواقع تفعل عكس ما تقول وتجعل تلك الشعارات خاوية. المقصود هنا رجال الحكم الذين ألحقوها بنادي الدول التي تبدع في صد الأبواب في وجه الشباب، وتتفوق على نفسها في سوء إدارة مواردها البشرية.
صحيح أن أي بلد بحاجة دائمة إلى الخبرة والكفاءة والحنكة التي تتوفر مع العمر، وأن الشباب لا يعني حتما الإبداع والتميز والنشاط. لكن في حال الجزائر يصعب تصديق أن كل هؤلاء الناس استمروا في الحكم فقط من باب الإفادة من الخبرة والكفاءة. فالخبرة الطويلة التي يتمتع بها رجل مثل جمال ولد عباس، لا تعني أنه صاحب كفاءة، بدليل التجريف الذي أصاب الوزارات التي تولى مسؤولياتها منذ 1999 والتي لم يترك في أيّ منها أثراً طيبا يُذكر له.
كما أجد صعوبة في تصديق أن عبد المجيد سيدي السعيد لديه كفاءة استثنائية تحتّم بقاءه في المنصب نفسه أكثر من عشرين عاما، وهو الذي جعل من اتحاد العمال كل شيء إلا نقابة تحترم نفسها وتاريخها.
مشاعر المسؤولين الجزائريين المعلّبة تجاه شباب بلدهم جعلتهم يغيّرون يوم الخامس من تموز (يوليو) من «عيد الاستقلال» إلى «عيد الاستقلال والشبابـ». لكن المشاعر الحقيقية تغلبت وأبقت هذا الشباب على الهامش، يشترك في «عيد الاستقلال والشبابـ» بالرقص على أنغام الكباريهات في الحفلات التي تقام للمناسبة.
حتى عندما يكون هناك اتجاه نحو تحسين الحال، فهو أعرج. الشائع اليوم بين عامة الجزائريين أن الوظائف في الهيئات والشركات الحكومية الكبرى، وهي في الغالب الوظائف التي تضمن الامتيازات المادية والمعنوية والأمان، أبوابها مفتوحة بالدرجة الأولى لأبناء مسؤولي اليوم وأقاربهم قبل أبناء عامة الشعب (سوناطراك، الجمارك، الجوية الجزائرية.. إلخ).
في الجهة المقابلة لمنظومة الحكم، أو التي يُفترض أنها كذلك، ليست الحال أقل سوءا. في الأحزاب والنقابات والجمعيات، تشبه الصورة نظيرتها داخل جهاز صناعة القرار: لويزة حنون، الأمينة العامة لحزب العمال اليساري، على رأس حزبها منذ خروجه للوجود في 1990.
أمين عام اتحاد الفلاحين الجزائريين، محمد عليوي، موجود في منصبه منذ كنت أنا طفلا.
عبد العزيز بلعيد، الأمين العام السابق للاتحاد العام للطلاب الجزائريين، غادر رئاسة الاتحاد في 2007 وعمره 44 عاما، رغم أن معدل عمر الطلاب الجزائريين عند التخرج هو 22 عاما.
أمين عام التجمع الوطني الديمقراطي (حزب السلطة)، مدير مكتب ديوان الرئاسة، أحمد أويحيى (64 عاما) موجود في حياة الجزائريين، يشاهدونه يوميا بلا انقطاع، منذ 1994.
زعيم الجناح الآخر الذي يصارع على زعامة حزب جيهة التحرير الوطني، عبد الرحمن بلعياط، كان وزيرا للسكن منذ كانون الثاني (يناير) 1984.
بسبب هؤلاء وغيرهم، أمضى جيلان جزائريان من أبناء الاستقلال حياتهما في الانتظار والوهم. هل بعد كل هذا، هل من التجني الجزم بأن 90 في المئة من ممارسي العمل السياسي في الجزائر في 2017، ينتمون إلى قرن آخر؟

توفيق رباحي القدس


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*