زفرات على الاعتراف ( بحث في الأسباب) 2/2


حسن أهضار 

  • إذا كان الاعتراف سنة أصيلة في ديننا، وقيمة إنسانية نبيلة، وإذا كانت غاية خلق الناس وجعلهم مختلفين باعتبارات شتى هي تحقيق الاستخلاف عن الله بعبادته، والتعارف بين عباده

فكيف يتسنى التعارف بلا اعتراف؟

ولماذا صرنا نخجل ونترفع عن إرجاع الفضل لذويه؟

ولماذا يحلوا لبعضنا التمايل أعلى الحصون والتقاط الصور ( سلفي) معه دون الترحم على بناته ومخططيه، وواصفي جماله، وموثقي تاريخه وأحداثه..؟

في جملة واحدة: ما هي أسباب غياب/ تغييب ثقافة/ سنة الاعتراف؟

  • السبب الأول: عدم الفصل بين الإنصاف والإطراء، فولد عندنا التأرجح بين التبخيس والتقديس.

بعد أن رجح عالم الأشخاص في مسيرة حضارتنا مذ ما بعد الموحدين حسب تقسيم مالك بن نبي في ” مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” ( الأفكار الأشخاص الأشياء)  طغى الولاء المطلق للقيادات، سواء العلمية والتربوية، أو السياسية والفنية. وترتب عنه المبالغة في الاعتراف التي تحولت في أحيان كثيرة إلى التقديس،

ولما احتكت نخبتنا بالنهضة الغربية واقتنعت أن بناء الحضارة متوقف على تجاوز عالم الأشخاص والأشياء إلى عالم الأفكار، صارت تقاوم الانحراف السابق. ما جعل عبد الله حمودي يكتب ” الشيخ والمريد، النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة..” كما كتب نور الدين الزاهي ” الزاوية والحزب، الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي” فقاوموا تقديس الأشخاص إلى تقييم الأفكار، وهو مقصد سامي

إنما بدل أن يتحول النظر للأشخاص إلى الأفكار عند البعض، لم يزد إلا استبدال سيدي، ب monsieur فتراهم يعلقون صور لينين وماركس وتشيكيفارا، وغيرهم من رموز الغرب، أو يقيم حداثية الكتاب بمدى تبنيه لنظرياتهم..

فنمت عندنا ظاهرة ” توثين الأشخاص” ولم يسلم منها حتى من أسس مشروعه على نقدها كالحداثيين والسلفية، في الغالب، اللهم إلا مراجعات شجاعة قام بها فلان أو فلان. وبين هذا وذاك ضاعت سنة الاعتراف وراء نقع خلل التصور، وانحراف المفاهيم، وثنائية التقديس /التبخيس.

  • ثانيا : اختزال قياداتنا في موقف أو رأي:

وهو تنميط وهوس بالتعليب ابتلينا به، – خاصة دعاة السلفية ، والحداثيون المتغربون – مشكلة هذه النظرة أنها ترى الحياة كلها أبيض/ أسود، خير/ شر. كالمانوية. مع استبعاد شبه تام للألوان الأخرى. وتجاهل للتحولات والمراجعات التي تطرأ على عالم الأفكار.. وتجاهل لمكانة المرء وفضله وتاريخه..

وهوس الاختزال ما أن يصنف عالما أو قائدا ما.. حتى يسرع لإعلان صك التصنيف بالرضى أو اللعنة.

وصل الأمر ببعضهم أن يدمج ” عملية التصنيف” في أدبياته مثل ” كتب ليست من الإسلام” أو ” ينبغي أن لا تقرأ”

كما أقصيت مشاريع علمية وأدبية من التداول بسبب توجه أصحابها أشير هنا إلى ثلاثية فريد الأنصاري الروائية، وأعمال طه عبد الرحمن، أو أعمال الجابري وغيرهم..

وهذه من المآسي التي اتفق عليها الغلاة المتديون مع الغلاة الماديين كما اتفقوا على السبب السابق، ورحم الله علي عزة قال ” كان محققوا محاكم التفتيش في الماضي يزعمون أنهم يحرقون الجسد لكي ينقذوا الروح، أما المحققون المعاصرون فإنهم يفعلون العكس: يحرقون الروح بدلا من الجسد”

كما أنوه بموقف الشيخ نديم الجسر في ” قصة الإيمان” فقد نهج أسلوب التقريب والاعتراف، والتماس العذر لأعلام الفكر في التاريخ والبحث عن المشترك ضمن أفكارهم، وهو ” البحث عن الله”

  • السبب الثالث: التربية:

سنة الاعتراف ليست مجرد كلام يحسن ترداده، أو طقوس تخصص لها حفلات نمطية كلما سنحت الفرصة.. بل هي قيمة إنسانية دالة على نبل المعترف – بكسر الراء- قبل المعترف به – بفتحها

وبذلك فأساس ترسيخها هو التربية بالقدوة، والأمل معقود على مؤسسات التنشئة كالأسرة والمدرسة،  والمجتمع المدني، لكنها لم تمنحها ما تستحق بعد، أما الإعلام فهو أحد أسباب تغييبها

فما دام أطفالنا يربون في أسر يحتقر الأب الأم أو العكس، سواء بصراع أو مزاح، أو لا يحرص الزوجان على التنويه بفضل أحدهما إن حاضرا أو غائبا وزرع ذلك في نفوس الأبناء 

 وما دامت أسرنا تساعد الأبناء في احتقار المدرسة والمربين.. بل قد تؤلبهم عليهم، أو تحتقرهم أمامهم بدافع حقد أو جهل أو تصفية حسابات واهية..

فما دام الاعتذار نقصا وباعثا على الخجل في تصورنا فلا تنتظر الاعتراف

  • السبب الرابع: التأثر بالتوجه الإعلامي في صناعة النجوم

بما أن للإعلام دورا قويا في توجيه الرأي العام، وبما أن من أساليب التأثير السحري لصناعة ” الثقافة الجماهيرية” – بتعبير علي عزة. أو “سيكولوجيا الجماهير” لغوستاف لوبون – لتمكين ” المتلاعبون بالعقول” هي تسطيح الثقافة والوعي، وأسرهم في زنازن الاستهلاك من أجل الاستهلاك..

ولذالك سخرت قدوة تحقق بها مآربها الإمبريالية هذه وهي: نجوم الفن والرياضة

فما أن يبرز نجم جديد حتى تسلط عليه الأضواء، وتنصب له المنصات والصلوات والتبرك في حضرة الدعاية والاشهار، بوثنية بائدة، زمن ما بعد الحداثة (والعقلانية )

وما أن تشرع مردودية الأرباح المعقدة على أهدابه تضمحل، حتى تنصب منصة نجم صنع حديثا على ضريحه. وهكذا دواليك.. ما شيئ الإنسان وجعل قيمته في عائدات الربح الناتج عن قدرته على الجذب والإثارة والتسحير.. وأقصى الكفاءات الفنية الأصيلة مع العلمية والفكرية

وغيب هذا السحر عن وعي شبابنا وفي ثقافتنا الاحتفاء بالقيادات الموجهة للفعل الحضاري، بناة المجد والعمران والإنسان، ومربوا الأجيال، ومهندسوا الأفكار..

  • السبب الخامس: إقصاء العلماء والمفكرين من دوائر صنع القرار، وفي برامج الإعلام

يعيش عالمنا العربي والإسلامي حالة عداوة للقيادات العلمية والفكرية وحتى الفنية الأصيلة، فالسياسة الحاكمة

 – نتيجة استبدادها في الغالب، وتقوقعها في نسج التخلف – غير واثقة بهذه القيادات، ولا مستعدة للإصغاء لتوجيهاتها الموقظة، كما أنها تدري جيدا مدى قدرتها على تأطير الجمهور وبث قيم الوعي والنضال والمحسابة فيه.. بل وجعله ثوريا.. لذلك اختارت نوعا من الازدواجية أو الحرية المغلفة بالقمع في تعاملها مع هذه القيادات، ومن ذلك

  • التحالف مع الإعلام والسلطة الاقتصادية في جعل نجوم الفن والرياضة، – وربما مشايخ الزوايا – المثل الأعلى بدل العلماء..
  • تصنيف هذه القيادات حسب ثنائية: الرضى/ السخط. الولاء/ البراء. فتقرب المطيع المطبل، وتبعد الحر الساخط.
  • إشغال من تراه قويا مؤثرا بكثرة المناصب والمسؤوليات..
  • التكريم المحنط: كأن يكرم عالم في أحد المناسبات – وفي الغالب بعد موته- بتكرم نمطي. وإيهام الناس أنه لفت الانتباه إليه، رغم أن تكريم العالم هو فتح أبواب العمل له، ومد يد المساعدة إليه، واستشارته في ما يناسب تخصصه، وتقريب مشروعه وتبنيه.. ومن المؤسف أن يمتلك المغرب كفاءات عالية في جميع المجالات العلمية – الفكرية، الفقهية، الاجتماعية، التربوية، العلوم الحقة وغيرها..- ولا يعرف عنها شبابنا شيئا، ويلتفت فلا يجد إلا أعلام الغرب أو الشرق، أو مزوروا الفن والرياضة..
  • السبب السادس: ترفع من يحتاج للاعتراف عن تمثل الاعتراف

ومن الأسباب التي ظهرت لي كذلك أن القيادات التي تحتاج للاعتراف ويمدها بالطاقة والطمأنينة.. أن منها من لا يتمثل هذه القيمة في سلوكه، فتراه لا يرضى أن ينوه بمجود عالم معاصر له سواء في مجاله أو مجال علمي آخر.. بل منهم مع الأسف من لا يذكر غيره إلا تنقيصا، أو تنفيرا للطلبة والقراء منه، ومنهم من لا يتجاوز الإشارة لغيره من معاصريه الذين يتقاسم معهم الكثير إلا بالضمائر ( يزعم – من – يقولون) فأضمر أعلام كثر بالمستتر، رغم أنهم رفعوا عزنا بالتنظير والتأطير المنتشر. حتى سادت مقولة في تراثنا ” المعاصرة تمنع المناصرة”

  • خـــاتـمـــــة:

أسباب تغييب ثقافة الاعتراف- رغم أنها سن أصيلة في ديننا – كثيرة متشابكة، نحتاج للتحلي بروح المسؤولية لتجاوز هذا الخلل، ومن أساليب ذلك – حسب رأيي- ما يلي

  • التحلي بالنقد الذاتي لسلوكنا، لنتصالح مع ذاتنا، ونعترف بقياداتنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

” لا يشكر الله من لا يشكر الناس” سنن أبي داود

  • إدماج ثقافة الاعتراف في مناهجنا التربوية، وبرامج تكوين المربين، فالاعتراف فضيلة تحمي الثقافة والحضارة من عوامل التفكك وفقدان الذاكرة
  • الفصل بين المواقف والانتماء، وبين مبدئ الاجتهاد والعطاء. فاستحقاق الاعتراف أساسه أن يكون للمرء تاريخ نضال وعطاء، وليس أن يتفق مشروعه ونتائجه مع هواي حتى أعترف به، بل كل من أسدى للأمة وللإنسانية خيرا، واجتهد حسب قناعته يجب الاعتراف به، وإلا سقطنا في نمطية وفكر أحادي يتجاهل أن الله خلق الناس مختلفين وأرادهم كذلك..

مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*