عبد الإله بنكيران يسقط في إختبار رجل دولة


بقلم الاستاذ محمد ياوحي

شكل اعفاء صاحب الجلالة لعبد الاه بنكيران سابقة في تاريخ السياسة المغربية، بلاغ الديوان الملكي كان واضحا و ارتكز على صلاحيات الملك الدستورية في ضمان السير العادي للمؤسسات و لمصالح الشعب المغربي. تعيين بنكيران رئيسا لحكومة 2011 كان منسجما مع منطوق الدستور في تعيين رئيس الحكومة من الحزب الحاصل على الرتبة الاولى، و تم احترام نفس المبدأ بعد انتخابات السابع من اكتوبر، رغم الجدل الكبير حول شخص ع الالاه بنكيران و اهليته لرئاسة الحكومة، و افتقاد الرجل لروح الانصات و التفاعل الايجابي و الرزين مع مختلف الفرقاء السياسيين و اطياف المجتمع المغربي المتنوعة. خرجات بنكيران و قفشاته، و رغم انها لقيت قبولا من طرف بعض الشرائح الشعبية، الا انها في الواقع بخست من هيبة مؤسسة رئاسة الحكومة و التي هي واجهة من واجهات الدولة المغربية.

دون جلد للرجل، و دون تحامل او تشفي، يمكن القول ان بنكيران لم يستطع الخروج من جبة الامين العام لحزب سياسي، و التصرف كرئيس حكومة لكل المغاربة، و أن صدامه مع احزاب سياسية بسبب او بدونه، و شخصنته للصراع أو للمحاباة، في ذاتية مفرطة، تفتقد الى الموضوعية و التروي و الرزانة المطلوبين في شخصية سياسية و في رجل الدولة، هذه الصدامات و التجاذبان و التقاطبات و التباعدات، أثرت على النقاش السياسي في بلدنا بصفة عامة، و أفرغت السياسة من رسالتها النبيلة و المتمثلة في خدمة المصلحة العامة، و نقاش البرامج و المقترحات و التفاعل الايجابي معها أيا كان مصدرها. على مستوى أخر، فان رئيس الحكومة المعزول، و بسبب تعنته و تصلبه في مواقفه و أحكامه، و بممارسته العنف اللفظي و المعنوي مع كل معارض، بسبب أو بدونه، و بتبنيه لغة التصعيد و التهديد و الوعيد، قد اذكى  مناخ التوتر و الاحتقان بينه و بين كل الأحزاب السياسية، ما عدا حزب نبيل بنعبد الله الذي دخل مع بنكيران في تحالف كاثوليكي براكماتي نفعي، ناسخا بذلك تاريخ الحزب الشيوعي و مرجعيته التقدمية و مواقفه، التي كانت دائما تراعي المصلحة العليا للوطن و الشعب، و لم تكن أبدا أسهما يضارب بها في بورصة السياسة الغير النبيلة.

اجراءات عبد الإله بنكيران كانت اجراءات أفقرت فئات واسعة من المغاربة، في مقابل ذلك استفاد المقربون من حزب العدالة و التنمية من صفقات و غنائم و توظيفات و مجموعة اخرى من الامتيازات.

كما سقط بنكيران في فخ التوسط لافراد عائلته ضدا على الوعد الذي قطعه على نفسه امام المغاربة، فهو حرم الالاف من العاطلين حاملي الشواهد من التوظيف المباشر، في حين وظف ابنته بدبلوم لا يتناسب مع المنصب (المتبارى حوله) و تدخل لابنه كأستاذ زائر في الجامعة بدبلوم لا يؤهله لتدريس تلك المادة التي خصصها له أحد اخوانه في الحزب،  دون الحديث عن الاف المناصب التي استفاد منها اتباع الحزب الحاكم في مختلف المؤسسات، في خرق سافر لمبدأ تكافؤ الفرص بين المغاربة، و في عملية اغراق ممنهجة للمؤسسات و لمختلف دواليب الدولة بأتباع العدالة و التنمية و حركة الاصلاح و التوحيد.

بنكيران لم يراعي واجب اللياقة مع خصومه السياسيين، و الأسوء من هذا تجاوزه المتكرر و المتهور للخطوط الحمراء لمنصب مؤسساتي له حدوده و ضوابطه، فلقائه الاخير بأمير قطر و بقيادات من الاخوان المسلمين في الخارج هو و قياديون في حزبه، دون تكليف رسمي، في الوقت الذي كان الملك فيه يجاهد في ادغال القارة السمراء، في اعادة ترتيب مكانة المغرب في بيته الافريقي، لا يمكن الا ان يفسر على أنه ابتزاز للملكة المغربية و للشعب المغربي الذي له تاريخ طويل في رفض الوصاية أو التدخل الخارجي في شؤونه الداخلية، و ربما هذه (الكبيرة) الاخيرة هي التي سرعت بنهاية الرجل السياسية  و جعلت الجالس على  العرش يشهر في وجهه الورقة الحمراء،  بدون استقبال كما جرت به العادة،  بعد ان تجاوز عن فلتات لسانه المكلفة سياسيا للمصالح العليا للمملكة، تصريحات مجانية و لا تدخل في صلاحيات رئيس الحكومة من قبيل موقفه السلبي من السياسة الخارجية لروسيا و من فتوحات الملك الافريقية التي تدخل في صميم الصلاحيات الدستورية للمؤسسة الملكية، دون الحديث عن مصطلحات تشكل تشكيكا في الصرح الديموقراطي الذي هو في طور الانضاج، و توحي بأن المغرب بلد السيبة و التسلط، من قبيل لغة قطع الرؤوس و (الملك يديني الحبس) و كلام غير مسؤول من شخصية سياسية يفترض فيها انتقاء المصطلحات و العبارات و الكلمات بما لا يقبل التأويل او التحوير.

بنكيران فوت على نفسه أن يكون أول رئيس حكومة يجمع بين ولايتين متتاليتين في تاريخ المغرب، و ترك الكثير من الرواسب التي يجب على الحكومة المقبلة اصلاحها و تفادي تكرارها.

تغيير بنكيران بالعثماني او بغيره لن يغير من واقع الامر شيئا، التغيير الحقيقي يكمن في تغيير أسس الاقتصاد المغربي المبني على ليبيرالية عوجاء ينخرها الريع و الفساد و الرشوة، ليبرالية تحول مكاسب الاوراش الكبرى للمملكة الى حسابات اللوبيات المتحكمة في مختلف القطاعات، و المتحالفة مع طبقة تيقنوقراط الريع و الرشوة داخل الادارات العمومية على مختلف اشكالها و انواعها.

المثقفون المغاربة سئموا من سياسيي الغنيمة المتهافتين وراء الفتات، و معظمهم يقاطع اللعبة الديموقراطية، و في الجهة الاخرى من ضفة المجتمع، مئات الالاف من المحرومين و المهمشين تنتظر ما ستجود عليهم به سياسات الصدقة و الحسنة و الزكاة، و هم يشكلون خزانا انتخابيا لمروجي خطاب الريع و المظلومية، و اذا تأزم وضعهم أكثر، فسيخرجون لحسم اللعبة الديموقراطية في الشارع لا قدر الله.

 

و في الاخير، لا يمكن لكل مغربي غيور على وطنه الا ان يهنأ صاحب الجلالة على تحمل مسؤوليته الدستورية، بكل رزانة و استحضار للمصلحة العليا للوطن و الشعب. و نتمنى صادقين أن تكون الحكومة المقبلة في مستوى تطلعات المغاربة، و بحجم التحديات الداخلية و الخارجية التي انخرط فيها المغرب و المغاربة وراء ملكهم العظيم.


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*