الرعي الجائر : إشكالات الدولة و القبيلة..


وأنا أنظر إلى الصورة أسفله، وأتذكر مشاهد كثيرة عاينتها في الأطلس الصغير وتخوم سوس المتنامية الأطراف إلى بلاد حاحة وامي ن تانوت، اتمعن في قطيع من أصناف الماشية، من غنم وماعز وابل تغزو حقول الناس واملاكهم وغاباتهم…واطرح سؤالا مفاده، هل نحن فعلا في إطار دولة حديثة ؟ تصون حقوق الجميع …


قد يبدو هذا المشكل سهل للغاية او ذي غير موضوع او فائدة، ولكنه عكس ذلك، فهو مشكل عويص، معقد ومركب. قبل كل شيء؛ فهو يطرح إشكالات نظرية أكثر مما هي سياسية او قانونية، مشكل الرحل الذين يمارسون الرعي الجائر والتعسفي على حقوق الناس واملاكهم، يساءل مفهوم الدولة في المغرب، ويطرح إشكالات معقدة في علاقتها مع القبيلة. فكل التصورات والنظريات والمجهود العلمي الذي بذله بعض الباحثين الأجانب منذ بداية الإستعمار، لم يتوفقوا في إعطاء مقاربات علمية ومنهجية مضبوطة، لفهم قضايا بنيوية مثل القبيلة، المجال؛ ملكية الأرض؛ الأعراف ومؤسسات استغلال الأملاك والأراضي والغابات؛ التقسيم والتوزيع؛ قضية الحدود؛ وهذا ما جعل بول باسكون أحد علماء السوسيولوجية القروية بالمغرب يصف المجتمع المغربي، بالمركب والمعقد، وهو الدارس بالتحليل والخبرة استغلال الارض، منطقة الحوز بمراكش..كلما أنجز يمكن حصره فيما سماه الانثروبلوجي المقارن كليفورد كيرتز، بالوصف المكثف/الكثيف..وهو الذي قام بدراسة مهمة حول سوق صفرو.
أنا أنظر إلى قطيع الغنم والابل، يغزو منطقة تانغيلاست في الحدود الجنوبية لجماعة تانكارفا المطلة على واد نون؛ تمهيدا للزحف الشامل نحو ايت باعمران وما وراءها في ازغار تزنيت ثم وصولا إلى مشارف سوس…هذا الزحف يأتي على الأخضر ويرجعه يابسا في الحين، أتصور دموع نساء ورجال، فقراء البوادي وهم ينظرون إلى ما تبقى من شجر الأركان تبتلعه جمال اغنياء الصحراء، فقراء كانوا ينتظرون الشجرة المقدسة حتى تبوح لهم بثمار تافيوشت، ليطحنوها زيتا، لسد ما بقي من الرمق. سنوات عجاف وجفاف صبروا لكي يروا حرثهم زرعا يانعا، يتوسمون في موسم يشمون فيه رائحة ازنبو العاطرة الشجية، يتذوقون فيه توميت الأسطورية قبل حلول وقت الحصاد…فقراء البادية وهم يرجون كل هذا، فإذا بزحف الرحل يأكل كل ما إخضر ونبث في الأرض نباثا…يجهزون على الحقول وأركان وكل شيء ويتركون الأرض وراءهم جرداء صفراء ….أخطر ما في هذا المشهد المخيف والمرعب، هو ان كل ذلك يحدث أمام أنظار السكان، ولا احد يستطيع الدفاع عن حقه وعن أرضه وعن تروثه. ..وحتى اذا تشجع أحدهم فإن مصيره هو المستشفى او ردهات التحقيقات في المحاكم والمحاضر وطلع اهبط…
هنا تكمن إشكالية الدولة؟
في السابق، قبل دخول الاستعمار وتأسيس الدولة القطرية-الحديثة، لم تكن هذه السيبة والعنثرية في تسيير مشاكل الرعي؛ فهذه مؤسسة اجتماعية قائمة الذات؛ تايسا تنظمها أعراف وقوانين صارمة يخضع لها الجميع الرحل والمستقرون، مثلا عرف اكدال، فهي عبارة عن مجالات محروسة، يتم حفظها واغلاقها في وقت معين من السنة ويمنع فيها الرعي والدخول إليها منعا كليا حتى يتم فتحها في الوقت المتفق عليه بعد البريح في السوق حيث يتم اعلان فتح اكدال. وهذه مؤسسة تشتغل بها جل القبائل حفاظا على املاكها وثروات غاباتها، ومن هنا أخذ المعاصرون مفهوم الاستدامة. كما نجد في جل مناطق المغرب، طوبونيم يسمى اساكا، وهو اسم مكان يطلق على ممر الماشية، ويكون عبارة عن واد او منخفظ ضيف، حيث يكون طريقا مخصصا لعبور قطيع المواشي في أيام الرعي، وهذا دليل على حرص القبائل على عدم أكل او التقرب من حقول الناس وزرعهم. بمعنى ان قبل ان تؤسس الدولة الحديثة، كانت القبائل تدبر أمور الرعي- تايسا بواسطة أعراف وقوانين مكتوبة او محفوظة، صحيح أنه تحدث صراعات وحروب، خاصة حول المناطق الخصبة التي تتوفر فيها المياه، في اطار الحفاظ على التوازن والبقاء، ولكن الجميع له الحق في الدفاع عن ممتلكاته.
اما الآن، فالدولة قامت بالاستلاء والحجز على هكتارات من أملاك القبائل بذريعة الحفاظ على الملك الغابوي، استمرارا للسياسة الفرنسية الاستعمارية، وسيجت تلك الاملاك بسياج من حديد ومتاريس، ووضعت بها حراس يحرسون الجبال والغابات وتمنع الدخول إليها والرعي فيها..والباقي الذي هو عبارة في الغالب عن حقول يحرثها الناس وبعض أشجار أركان أو الزبتون/ازمور، فهي مفتوحة أمام الرعاة القادمين من الصحراء والفيافي، وهذه الآلاف من الإبل والأغنام التي تأكل ايت باعمران وايت باها ولاخصاص و امجاض وتافراوت…. وازغار وسوس…يملكها نافذون في الصحراء، وتجوب السهول والجبال محروسة بعناية لا أحد يملك القدرة على صدها او محاسبة رعاتها، ذلك النفوذ هو الذي يجعلهم يتمادون في الاعتداء على الساكنة…اما الإدارة والسلطة فإنها تلتزم الصمت، بعد المعاينة والحضور…يا للعجب الدولة تحافظ على ما يسمى بالملك الغابوي بالليل والنهار حفاظا مقدسا وصارما، تعاقب كل من اقترب إلى املاك بوغابة بالغرامات والسجن…ولا تسطتيع الحفاظ على املاك الناس من بطش وغطرسة الرحل.
بعض هؤلاء الرحل، يفسدون في الأرض، ويعتدون على الناس واملاكهم، ويجهزون على نقط المياه…اما وزارة الفلاحة فإنها ابتدعت شيء إسمه تنظيم المراعي في ضواحي تزنيت، واحدثت مهرجانا سنويا اسمه مهرجان المراعي يقال ان دولة قطر تموله باعتمادات مالية….أنا لا أفهم ما هي علاقة رحل يأكلون غلة وأملاك فقراء الجبال في ايت باها وايت عبلا واداوكنسوس ويكسرون عظام رجال ونساء وكل من حاول التصدي لهم، والدولة تنظم لهم حفلا خاصا بهم في تزنيت..
ان الأمر يحتاج إلى ضبط، وإحكام سياسة تنظيم الرعي المتنقل، فلا يعقل ان يدوم هذا القهر ويستمر هذا الظلم، خاصة ان ضحاياه هم فقراء يعيشون من الأرض وما تبقى من ثروة الغابة بعد ان تمة مصادرة املاكهم وحقوقهم في إستغلال المعادن ومنابع الماء….

عبدالله بوشطارت


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE