معالم المنهج الإصلاحي، في فكر الأستاذ محمد المختار السوسي


بقلم حسن اهضار   [email protected]   :

أربع وخمسون سنة مضت على وفاة مؤرخ سوس وسفيرها الأستاذ المصلح محمد المختار السوسي.  فمن يكون الأستاذ المصلح محمد المختار؟

وما هو السياق التاريخي الذي عاش فيه؟

وما هي معالم المنهج / الهم الإصلاحي لدى فقيهنا محمد المختار؟؟

وما تقييم هذه المرحلة التي تركنا فيها بعد وفاته؟

أوما مصير صيحاته التي ما فتئ يرددها لإتمام ما بدأه إضافة ونقدا، دراسة وتحليلا..؟

 ترى ما الذي جعله ينال هذا النصيب من الذكر مقارنة بغيره من فقهاء سوس ومصلحيها؟

  • أولا نعرف بالأستاذ المصلح تعريفا وجيزا، فهو محمد المختار بن علي بن أحمد الإلغي، قرية تنتمي لجماعة آيت وافقا إقليم تزنيت. وأمه بنت الأسرة العلمية اليعقوبية بأدوز، جماعة أنزي تيزنيت. ولد محمد المختار 1318ه وتوفي 1383ه، الموافق: 1900م- 1963م رحمه الله

فهو ابن أسرة علمية عريقة في المجد والكرم والتصوف، فأبوه شيخ الزاوية الدرقاوية ومؤسسها بإلغ. أول مدرسة ولجها محمد المختار هي مدرسة أمه حيث تلقى منها تعليمه الأولي في القراءة والكتابة والقرءان.. ثم مدرسة إلغ عند شيوخها، وبعد ذلك انتقل لمدرسة تنكرت بإفران الطلس الصغير عند شيخها الفقيه الأديب الصوفي محمد الطاهر، وابنه محمد بن الطاهر. رحمهم الله.

وبعد ذلك انتقل إلى مراكش فأخذ من مدرسة ابن يوسف العريقة، ثم فاس ثم الرباط.. قاوم المستعمر  فسجن ونفي مرات.. وتقلد مناصب عليا، وأسس جمعية علماء سوس ومنها انبثق المعهد الإسلامي بتارودانت

  • ثانيا السياق التاريخي الذي عاش فيه محمد المختار: عاش محمد المختار في عصر يمكن وصفه ب ” ظلمات بعضها فوق بعض، تتخلله ومضات نور يشع من زوايا مجاهدة، ومدارس أصيلة، وقيم نبيلة ” كالتضامن (تيويزي)”

فالأولى ظلمة التخلف والتقليد الذي ساد قرونا حتى عشش وفرخ.. ترتب عنه فشو الحواشي والتلقين في العلوم، وقلة الإبداع والتأصيل فيها،

والثانية ندرة الأمن وسيادة الفوضى (السيبا) من غصب ونهب وقتل

الثالثة : الجفاف والأوبئة التي ما أن تنسى جائحتها حتى تعود مكفهرة مميتة

الرابعة الحربان العالميتان، والاستخراب الملقب زورا بالاستعمار الذي أزعج سباتنا، واستنزف خيراتنا – وما زال-   و توغل في ثقافتنا ولغتنا.. مصداقا للسنة الربانية التي صاغها مالك بن نبي بقوله” والتاريخ قد عودنا أن كل شعب يستسلم للنوم، فإن الله يبعث عليه سوطا يوقظه” شروط النهضة 171

الخامسة: القومية العربية المتعصبة، التي انطلقت من المشرق، فإذا بها تحط رحالها بالمغرب أيضا

السادسة: الدروشة وثقافة ( التسليم- ولست أهلا) التي صارت عقدة كبلت علماء سوس ومنعتهم من التأليف والتسابق وتوثيق الذاكرة

كل هذه الأسباب وغيرها أنهضت عزيمة محمد المختار  ولم تمهله لحظة واحدة ليخلد للراحة، أويركن لدعة وسكينة فصار مقاتلا بلا حروب، مؤسسة بلا بناية ولا أعوان.. حتى أتاه اليقين رحمه الله

  • فما هي معالم المنهج الإصلاحي في فكر الأستاذ محمد المختار؟

1- المعلم الأول للمنهج الإصلاحي في فكر محمد المختار يكمن في التساؤل عن سر عبقريته، وأرى التعبير عنه ب ” هل من مزيد” وذلك أن محمد المختار لم يتوقف عن السؤال يوما، ولم يركن لمقولة ” كل شيء على ما يرام” أو ” ليس في الإمكان أبدع مما كان” أو ” لست أهلا..” وغيرها من المقولات المكبلة للعزائم، المخدرة للنفوس، فكل ما أنتجه أو جمعه محمد المختار من وثائق وأفكار، وما قاده من مشاريع.. وراءه أسئلة صاغتها روح ناقد أزعجه التفريط في التوثيق، والتنازل عن المنافسة.. وهنا أتذكر مقولة وجه بها علي عزة جهد أنشتين حين قال ما معناه ” يكمن سر ما جاء به أنشتين في أنه أحس بالخلل فطرح السؤال.. في حين ظن غيره أن مع نيوتن كل شيء على ما يرام”

 2- العناية بالتوثيق: وجه محمد المختار جهده لإحياء الذاكرة بالتوثيق، ما جعله ينتج آلاف من الوثائق التاريخية والأدبية والعلمية في شتى المجالات، وهو جهد ينوء بالعصبة أولي القوة، جهد مراكز بحث وفق الله فردا واحدا لتحقيقه، وهمٌ التوثيق الذي حمله محمد المختار له عمق ووعي منه بطبيعة الإصلاح، وبروح العمران البشري، فالإصلاح قائم أساسا على الفكر – الثقافة- الذي هو روح  الحضارة حسب تقسيم علي عزة

والمجتمع الأمازيغي- سوس – كسائر المجتمعات التي تغلب عليها البداوة والبساطة، وتقع في عزلة ومأمن عن تحديات الغزاة وتدافع الأفكار المخالفة.. مجتمع كهذا يغلب التلقين والشفاهة على ثقافته، لأنه لا يرى داعيا لتوثيقها، إذ بها يتنفس، وعبرها يفكر.. فهي له ” مشكاة المصابيح، والأسمار والأفكار، والإمتاع والمؤانسة، وقد قال علي عزة في هروبي إلى الحرية ” الثقافة في أصلها شفهية، وتوثيقها شر لا بد منها”

لكن لما غادر محمد المختار سوس طلبا للعلم في حواضر المغرب وبواديها، راعه ما دبج من تآليف وصفا لمراكش وفاس وغيرها، وأحزنه غياب ذكر سو س بينها، كما خشي التلف على كثير من الوثائق المتوفرة التي لم تنل حظها من النظم.

هذا وغيره ما هيج روح التأليف لديه – ومقدمات كتبه ومتونها زاخرة بالإشارة لذلك أذكر منه

“.. وكم مدارس وزوايا علمية إرشادية في هذه البوادي لا تزال آثارها إلى الآن ماثلة للعيون، أو لا تزال الأحاديث عنها يدوي طنينها في البوادي. فأين ما يبين كنه أعمالها؟ وتضحية أصحابها؟ وما قاساه أساتذتها في تثقيف الشعب وتنوير ذهنه، وتوجيهه التوجيه الإسلامي..” سوس العالمة 7

 “.. وإنما المقصود جمع المواد لمن سيكتبون وينظمون غدا، وهذا هو الواجب الآن علينا. وأما أن ندعي أننا حقيقة نكتب التاريخ كما ينبغي فذلك إفك صراح.. سوس العالمة10

3- ينظر وطنيا وعالميا، ويطبق محليا: وهذا من أسس القيادة الراشدة، فمحمد المختار استحضر بوعي السياق التاريخي والواقع الكوني الذي عاش فيه، وخطابه متضمن لدلالات كامنة، شعارها التحاور والسجال، فلا يخلوا خطابه من سعي للتعريف بالذات، للأنا اللامبالي بها المحتقر لها، أو للآخر الجاهل بها، أو المتجاهل لها، أو المقصي لها بخطابه القومي العربي المتعصب.. وهكذا

لكن المميز لمحمد المختار هو الهدوء وسعة الفكر، ورحابة الصدر فهو واع بالتربصات والمكايد التي يثير المستعمر ويتلاعب بها الخطاب القومي، فكان خطابه ماءا يطفي به شرارتها،

وقد أشار في مقدمة سوس العالمة لو كان ابن منطقة أخرى لبذل في سبيل التعريف بها نفس جهد التعريف بسوس، فهو يرى المغرب بل أفريقيا بل العالم كله ” جزءا واحدا لا يدين بدين الإسلام من يراه بعين الوطنية الضيقة.

إنما منهج البناء والبحث يقتضي أن يشتغل كل واحد بالتعريف بمنطقته – خاصة البوادي- ليتمكن من يأتي بعد ذلك في استثماره للتاريخ العام

3- الدعوة لإتمام ما بدأه: ما فتئ محمد المختار يستنهض الهمم، ويحفز للعمل، في سبيل إتمام هذا المشروع الموثق للذاكرة، المعرف بالذات العالمة والثقافة الشعبية.. من ذلك

 ” فعليهم أن يقوموا ليستتموا وليصححوا الأغلاط، فهل من مجيب” سوس العالمة12

نطلب الله أن يأتي بمن يستتم ما ينقص في الموضوع، أو يصحح الأغلاط. وما ذلك على شبابنا 

  – الذي نراه يشارك اليوم في هذا الميدان – ببعيد ” المعسول 7

    فمحمد المختار بالإفضافة لكونه مؤرخا يوثق ويحلل وينتقد، قائد مصلح يستنهض الهمم، ويؤسس المدارس ويجمع المادة الخام لمراكز البحث التي يدعوا لتأسيسها،

 4- تجاوز التلقي داخل جدران المدارس العازلة، إلى التلقي بالترحال والزيارات والنبش والملاحظة:

تجاوز محمد المختار الاكتفاء بطلب العلم داخل حجرات الدرس، والختم بإجازة الشيوخ، أو الشواهد الإدارية، ثم التصدر للتدريس.. هذه مراحل ضرورية نافعة لا نقاش في ذلك، إنما المشكلة في الاكتفاء بها.. فالشخصية القيادية والإصلاحية لا أظن هذا الأسلوب وحده كفيل بتكوينها.. وهو ما زالت أمتنا تعانيه..

ووعيا منه بذلك شمر محمد المختار عن ساعد الجد، رحالة بحاثة في الزوايا والمدارس، والخزانات وأفواه الرجال، والمقاومة للمستعمر، والانخراط في تأسيس جمعيات ومؤسسات وهكذا..

وهذه شنشنة القائد الإصلاحي لا يقبع في زاوية واحدة، ولا يحمل سلاحا أو خطة حربية واحدة ينهزم بفقدها.. كما أنه رام أن يكون قدوة للأجيال، اجتمع فيه ما تفرق في غيره.

5- التكامل المعرفي في ثقافته وإنتاجه: مؤلفات محمد المختار يغلب عليها التأريخ والتراجم من حيث الأصل والاعتبار المنهجي، إلا أنها غنية ومتنوعة متداخلة، يتداخل فيها التاريخ بالآداب، بالبحوث والفرائد اللغوية، والاشكالات اللسانية، والنظرات الاجتماعية بل والنفس الاجتماعية.. والخصائص الثقافية، والنوازل الشرعية وغيرها، وهذه كفاءة المؤرخ الموسوعي كابن خلدون.. أشير هنا ” للمعسول وغيره من كتبه وكذا بحثه الموسوم ب ” الألفاظ العربية في الشلحة السوسية” فهو بحث ينتمي لحقل اللسانيات – سوسيو لساني- يدرس مشكل التداخل بين اللغات، ويرصد الكلمات العربية الدخيلة على الأمازيغية.. وهذا سبق وعمق يشهد له به

6- المزاوجة بين التنظير والتطبيق: رغم سعة المشروع العلمي الذي نذر له محمد المختار حياته، وهو توثيق الذاكرة، ورصد التغيرات والقيم – الأمازيغية خاصة والمغربية عامة –  وتقويمها، فقد سعى كذلك للانخراط في العمل السياسي والإصلاحي من ذلك توليه مناصب عليا كوزارة التارج، وتأسيسه جمعية علماء سوس التي لها فضل تأسيس المعهد الإسلامي بتارودانت، الذي تخرجت منه قيادات وازنة في شتى المجالات قبل أن تقيد أنفاسه.. ومشاركته في تأسيس الإذاعة الجهوية بأكادير وانخراطه في دروسها الصانعة للوعي بذات وقيم الهوية المغربية الأمازيغية المسلمة

أما الأسئلة الأخرى فنرجئها إلى مقال قادم. والسلام


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*