العماري: لا يُوجد في العالم قانون مالية يسبق البرنامج الحكومي إلا في المغرب


بعد ستة أشهر من وضعه في البرلمان، وثمانية أشهر من إعداده، عرض اليوم القانون المالي على مجلسي البرلمان، وعلى لجنة المالية في مجلس النواب .

وهنا أتساءل، وأنا لست من ذوي الاختصاص، كيف لهذه الحكومة التي تختلف في تركيبتها السياسية و البشرية و هندستها الهيكلية عن سابقتها، أن تتعامل مع هذا القانون المالي الذي تم إعداده وفق تصور و استراتيجية الحكومة السابقة. و كيف سيتعامل الوافدون الجدد على الحكومة الجديدة إزاء هذا القانون الذي كانوا ضده حينما كانت احزابهم في المعارضة؟ كيف سيتم التعامل مع قانون مالي تمت هندسته وفق هندسة الحكومة السابقة؟ فمثلا كيف سيتم التعامل مع ميزانية الوزارات المضمومة و الوزارات المنشطرة؟(السياحة والتعليم..الخ). كما أن الأرقام التي تم الاعتماد عليها قبل ثمانية أشهر ليست نفس الأرقام اليوم، فمثلا اذا كانت وزارة الفلاحة تكلمت سابقا على سبعين مليون قنطار من الحبوب، فالسيد وزير الفلاحة تكلم في مناظرة مكناس الاخيرة عن اكثر من مائة مليون قنطار.

فأية أرقام سيقدمها السيد وزير المالية اليوم؟ هل الأرقام المدونة في القانون المالي، أم الأرقام الجديدة التي تعلن عنها المؤسسات الحكومية الاخرى المعنية بالموضوع؟

حاولت أن أبحث في التجارب المختلفة في العالم، عن علاقة القانون المالي بالبرنامج الحكومي، فلم أجد موقفا يشبه حالة حكومتنا. هذه الحالة الفريدة التي يسبق فيها قانون المالية البرنامج الحكومي. إنه العبث، و لكنه هذه المرة عبث بقوت عيش المواطنات و المواطنين.

نعم أنا متأكد بأن حكومتنا لها من الوزراء و الإداريين و التقنيين الذين سيجدون الفتوى المناسبة لهذه المهزلة، كما وجدوها للتصريح الحكومي و لتأخير تشكيل الحكومة و لاشياء اخرى. فأن يسبق القانون المالي البرنامج الحكومي، ليس في نظر السيد رئيس الحكومة بدعة و لا يطرح أي مشكل أو تناقض.

أخشى ما أخشاه هو أن يخضع القانون المالي للتعديل وفق منطق المحاصصة و على إيقاع حرب الاختصاصات بخلفية توزيع الغنائم. و ما يبرر هذا الخوف هو ما تم تداوله من تصريحات بين أقطاب الحكومة الحالية حول حجم الميزانيات الموضوعة رهن إشارة هذا القطب أو ذاك. و إذا حدث، فلنتوقع المزيد من الاحتقان و الاحتجاجات الاجتماعية. فإذا كانت ستة أشهر من العطالة الحكومية أنتجت ما يزيد عن مائتي احتجاج يوميا في مختلف ربوع المملكة، فإن التلاعب بالقانون المالي و التعامل معه بخلفية الغنيمة سيؤدي، دون شك، إلى سنة بيضاء و هذا ما سيزيد من الاحتقان الاجتماعي.

و يكفي هنا أن أذكر بإحصائيات منظمة الصحة العالمية التي صنفت المغرب في المرتبة الثانية بعد السودان في عدد حالات الانتحار ب1500حالة سنويا. و أتكلم هنا عن حالات الانتحار، أما محاولات الانتحار فهي أكثر من ذلك بكثير؛ و لعل آخرها محاولة مي عيشة بالرباط، و التي سأفرد لها و للوزير بوليف، غدا،تدوينة خاصة. و كما يعلم الجميع فإن العامل الرئيسي للإقدام على الانتحار هو اليأس.

انا لا أتنبأ بما سيأتي و لا أريد للحكومة و للمواطنات و المواطنين إلا الخير، و لا اريد لبلدي و لمواطني بلدي و لحكومة بلدي الا الخير. و لكن أريد فقط أن أحذر من مخاطر اليأس التي قد تعمقه الحكومة أكثر في المجتمع، و حينئذ سوف لا نكون أمام احتجاجات و إنما، لا قدر الله، أمام ……

صحيفة24/ بقلم إلياس العماري


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE