الانتاجات التلفزيونية بين تطوير المجتمع وبين هدمه على مر العصور،


 دوما ما نجد ان جل المجتمعات الواعية بضرورة تطوير أفرادها ونشر ثقافاتها والتأثير في مثيلاتها في باقي البقاع من هذا العالم الواسع. و أكيد إذا ما قمنا بتتبع بسيط لمجموعة من الأليات و الأساليب، التي من خلالها تسعى مجموعة من الدول الى التأثير في باقي العالم، سنجد ان أبرز الامثلة اللغة و الفصاحة لدى العرب قبل مجيء نبي الكون محمد عليه افضل الصلاة و السلام، فكان من جمل تأثيره على العالم فصاحة القرأن الذي أعجزهم، ثم توالت العصور بعد ذلك فأصبحت الكتابات و الانتاجات الأدبية و العلمية و غيرها من انتاجات كتابية هي أهم الوسائل لتأثير و تطوير الافراد، و إذا ما استحضرنا عصر النهضة بإيطاليا في العصور الوسطى و التي امتدت لما يقارب 4 قرون والتي عرفت سرعة في نشر الأفكار و اللغات المحلية و خصوصا لعرابتها الإيطالية في جميع ربوع أروبا و ذلك بفضل توافر الورق بالإضافة لاختراع حروف المونوتيب و ظهور الة الطباعة واذا ما بحثنا سنجد أن مجموعة من المدن أثرت على البقية بفضل هذه الالية و الاسلوب، منها مصر و الهند الشرقية آنذاك دون نسيان اليمن و العراق، و قد نعود الى الخلافة العثمانية حيث سنجد أن تطور الدولة العثمانية تأخر بما يقارب 100 سنة أو أكثر بعد تحريم السلطان سليمان القانوني دخول الالة الطابعة لدولته، وبعد هذا نعرج على غزو التتار للعراق فرغم إجرامهم في حق الإنسانية الى أنهم كانوا مدركين بأن حضارة بغداد و الدولة الإسلامية آنذاك ليست بقتل الناس فقط بل هي في إنتاجاتهم الكتابية فتم إحراق إكبر مكتبة في التاريخ آنذاك و هي مكتبة بغداد، هذه امثلة بسيطة من تأثير هذه الالية و الأسلوب، بالإضافة الى العصر الحالي و ما شهده من تطور و ظهور شبكات التواصل الاجتماعي و التي أثرت و حولت العالم برمته سواء الى ما هو إيجابي أو الى بحر من الدماء و غلبت طرفا على أخر و غيرت معتقدات و ثقافات و لغات و غيرها سواء بالإيجاب أو السلب المهم انها أثرت و لا زالت تؤثر.


وبعد هذا السرد الذي حاولت ان لا أطيل فيه سنسترسل مقالتنا حول ما تعرفه الفترة الحالية حول الانتاجات التلفزيونية وما مدا تأثيرها على تطوير المجتمعات وإيصال ثقافتها للغير رغم اختلاف اللغات واللهجات بل الأكثر من هذا تغيير قناعات الاخر حول موضوع معين ومن خلال سرد بعض المنتوجات والتي الهدف من سردها هو التعرف الى أي حد تؤثر هذه الوسيلة، في بداية السرد نعرج على بعض الانتاجات التركية من قبيل مسلسل السلطان عبد الحميد الثاني والذي يعرض في قناة TRT التركية والذي يأتي وذكرى وفاة اخر السلاطين العثمانيين من أجل تفنيد كل الأكاذيب التي طالت هذا السلطان و تصنيفه كمجرم حرب أو كما لقب بالسلطان الأحمر، و أيضا على نفس القناة سنجد مسلسل المجهولون و الذي يجسد لنا شخصيات عادية كانت قد لعبت دور البطولة في إيقاف الانقلاب العسكري الاخير بتركيا و الذي يسعى منتجوه الى الرفع من قيمة المواطن العادي و ترسيخ مفهوم الوطنية و المواطنة الحقيقية من خلال هذا المسلسل، اما اخر مسلسل من الدراما التركيا و على نفس القناة سنجد مسلسل و الذي يعد الأعلى مشاهدة في العالم الإسلامي و العربي في هذه الفترة و هو قيامة ارطغرل الذي انتجه الحزب الحاكم بالدول التركية و الذي جاء لإظهار و نشر فكر محدد وهو أن الاتراك هم أبطال و هم متشبثين بدينهم متسامحين مع من يختلفون معهم اشداء على من عاداهم بالإضافة الى مجموعة من الرسائل التي يبعثها المسلسل من قبيل ان كل الاعمال لا تقام الا باسم الله و ان تاريخهم حافل بأبطال تاريخيين و اذا ما أردت أن تبحث عن مدا تأثير المسلسل على العالم فيكفيكم ان تزور يوتيوب و تويتر و الفاسبوك و انستغرام و غيرها و اكتب عنوان المسلسل و سترى عجبا، لمن حيث اللباس او الكلمات أو الثقافة.
و غير بعيد عن تركيا نعرج عن دولة تعداد ساكنتها لا يتجاوز 300 الف نسمة هي قطر بعد سيطرتها على المستوى الاخباري في جميع انحاء العالم و الرياضي فجميع القارات و هي دويلة من أصغر دول العالم أصبحت تتحكم في العالم بقوة اعلامها سواء السياسي أو الرياضي و خلال هذه السنة اطلقت اكثر من 500 قناة و اكثر من ثلثيها اصبح يذهب الى الانتاجات الدرامية لانهم امنوا ان هناك فئة لم يصلها فكرهم من خلال الاخبار و الرياضة فلابد من الدراما لاستقطابهم بالإضافة اننا سنجد هناك مسلسل يعرض على قناة قطر بعنوان الامام احمد ابن حنبل و بالتالي التوجه نحو صنع ماضي لا يملكونه أساسا لانهم أمنوا بأن من لا ماضي له لا مستقبل له و لا حاضر له و هذا أيضا ما اشتغلت علية الدولة الامريكية بصنع قدوات لأبنائها و بناتهم لإجبارهم على عدم الانصياع نحو قدوات خارجية قد تؤثر على الانتماء و الوطنية من خلال صنع ابطال وهميين من قبيل كابتين أمريكا، سبايدرمان، سوبرمان و القائمة طويلة، أما الرسائل فكثيرة جدا لن يسعني المجال لذكرها.
وبالرجوع الى إنتاجاتنا المغربية التي نالت من الابداع فقط الاسم، فأول سؤال سيطرح أي دور لعبته الدراما والانتاجات التلفزية في تطوير الفرد داخل المجتمع ثم التسويق الصحيح للثقافة المغربية والفكر المغربي أو رفع أي لبس أو مغالطة لدى الاخر على المجتمعات المغربية أو إنتاجات تخدم المصلحة العامة للوطن من حيث وحدتها وكيانها الى أخره من ثوابت وضوابط وتاريخ لهذه الامة التي تزخر لعشرات القرون بمجد تليد وعزة ونصرة.

إن من الأمثلة التي من الممكن ان أطرحها من خلال هذه المقالة ستثير مجموعة من الأشياء الرسائل التي يود المنتج ان يوصلها أو يؤثر بها فينا، أولا فلم الزين لفيك حيث يتم فقط تبرير ممارسة الرذيلة ومنحها الشرعية و اصدار فكرة ان المغرب هو بلاد ووجهة للسياحة الجنسية و ان نساءه رخيصات و حاشا لله ان يكون كذلك، أيضا احدى المسلسلات التي تبث حاليا في القناة الثانية وهي سلسلة الخاوة و التي من أهم رسائلها هو ان المرأة هي تلك الشخصية الضعيفة التي لا تفقه شيء وهو ما جسدته بطلة السلسلة و هي فقط ألية ضمن المجتمع و ليس عضو فاعل فيه و بالمقابل في نفس السلسة يصور لنا المرأة تلك الشخصية التي تتهافت على الرجل وهو متزوج و تعرض نفسها عليه من غير احترام للرجل و دون حسيب او رقيب متناسين ان المغرب ضم السيد الحرة و فاطمة الفهرية و غيرها من نساء شرفوا تاريخنا، أيضا من بين المسلسلات نجد سر المرجان و دار الغزلان و اللذان يسوقان على التوالي ظاهرة الفساد و تحليل للعلاقات خارج اطار الزواج بل الأكثر من هذا هو تسويق المجتمع على أنه مجتمع ينبني على عدت أسس منها ظاهرة الشعوذة بالإضافة الى تجسيد على أن القوة و الجاه و المال لا يمكن الحصول عليها الا اذا كنت بارون للمخدرات أو سارق و متعد على الاخرين و هي رسائل ضمنية توجه لناشئتنا و باقي فئات المجتمع، أما أخر الأمثلة فهو أحد أكثر المسلسلات تتبع من طرف المشاهد المغربي و هو مسلسل حديدان الذي يجسد للشخصيـــة التي اذا أراد ان تعيــش في المجتمــــع فوجبت لها ان تكون متحايلة و خداعة و كاذبة … بالإضافة الى الصقاها بمناطق كان من الواجب أو بالأحرى ان تسوق كوجهات سياحية تدر النفع على المناطق و الوطن.

وفي ختام هذا المقال فإن إنتاجاتنا تجد العلاقات الغير الشرعية محللة باسم الحب، تجد لباس لا يمت لنا بصلة باسم التحرر، حتى الأفلام والمسلسلات التي تستقطبها قنواتنا من الخارج هي تعيننا على الانحلال الأخلاقي والمصطلحات الخادشة للحياء وغيرها من مساوئ و لنا في مسلسل سامحيني خير مثال حيث الغدر بين الابن و الاب و الزوجة لزوجها و الصديقة لصديقه… و على الطرف المقابل اذا ما اخدنا احد الأمثلة من المسلسلات التي تحدث عنها فانك لن تجد حتى عناقا بين من يجسدون دور الزوج و الزوجة ، أيضا تجد العفو عند المقدرة و ما جاورها من خصال وجب التعامل بها و بالتالي اصبح جليا للجميع ان قنواتهم و منتوجاتهم تسعى لكتابة تاريخ لهم و صنع مستقبل لهم و تطوير مجتمعاتهم، و قنواتنا همها أن تحل ما حرم و تنكس اعلام الوطنية و تضع الغدر و الخيانة لها وصية فلكم منا الطلب رأفة بها الوطن.
 كاتب مقالات الرأي: عبد الاله رشقي

مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*