بين فرحة “الباك” وحيرة ” لافاك” …… بقلم الأستاذ : حسن أهضار


 بقلم الأستاذ  :  حسن أهضار

بداية نهنئ ونبارك للمتعلمين والمتعلمات الذين توجوا مسيرتهم الدراسية بالنجاح، وندعو الله أن يوفق ويرشد من عقد العزم على الاستدراك أو الإعادة، وأن يلهم ربنا الجميع صبر أيوب على ما سياتي

لا أنسى لحظة حصولي على شهادة البكالوريا، فاعتراني فرح وتسام صوفي عرج في مدارج السالكين، رغم أن ما بجيبي لا يكفيني لأجرة الانتقال لبلدتي، إلا أني أجبت أول مهنئ بأني أحسست أن تزنيت كلها لي. كما أن أبي – نسأل الله له وللجميع الرحمة والغفران- أصر أن يرافقني للإطلاع على اللائحة رغم أنه لم تمض إلا أيام على خروجه من المستشفى

  إن مما يسقي وردة المدرسة العمومية، ويرسم بصيص أمل ونور في محياها المتورد بالصفعات، وفؤادها المثخن بغدر الطعنات ثلاثة أشياء:

– الأول: تلك العلاقة الحميمية لحظة الوداع آخر السنة، حين تترجم لعناق حار، والتماس العذر، والشكر المتبادل، بل وإذراف الدموع أحيانا،

– الثانية: تتويج متعلميها بالنجاح، وتنافسهم على المراتب الأولى لنسب النجاح، إذ يعد هذا: أ- طمأنة لحالها وروادها، ب- تتويجا لجهدها، ج- ترجمتها لشعار ” لست مهزوما ما دمت تقاتل” د- إزعاجا وغصة مرة في حلق الذين خططوا لتكون المدرسة العمومية مؤسسة لإعادة الإنتاج الاجتماعي/ الطبقي، حسب بيير بورديو، وباسرون. وترسيخا للاعدل واللامساواة في ولوج المناصب، والترقي الاجتماعي، في ظل الرأسمالية المتوحشة، بل النيولبرالية الهجينة الهوجاء التي جعلت شعارها – حسب المناضل: نعوم تشومسكي- “الربح مقدما على الشعب”

فأن يتنافس أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة على مراتب النجاح، وولوج المدارس والمعاهد المصنفة ضمن الطراز الفريد، يعيد للذاكرة المثل الخالد ” لولا أبناء الفقراء لذهب العلم”. كما أن هذا التنافس يخلق التدافع، وخلخلة الظلم الذي أريد أن يكون قدرا محتوما، فليعلم تلامذتنا الأفاضل أن اجتهادهم جهاد وتضحية ومقاومة للظلم، ومساهمة في سبيل الإصلاح، فأن تجتهد وتنجح تعتبر شمعة مضيئة ليس لنفسك وأسرتك فقط بل للقيم النبيلة وللأمة والإنسانية كلها..

هذا النجاح يعيد رسم مشروعية، بل وجوب الطموح والأمل والتيقن من الوصول ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”

إذا الشعب يوما أراد الحياة ….. فلا بد أن يستجيب القدر

ومن لا يحب صعود الجبال …. يعش أبد الدهر بين الحفر

– الثالث: تلك القيادات والكفاءات الناجحة رغم أنها لم تنتظرها سيارة فارهة بأبواب المؤسسة، ولم تسجل في معهد فرنسي، ولم تملأ سيرتها الذاتية بشواهد أشبه بدليل سياحي لمزارات.. بل كان سلاحها ” الخبز الحافي” والمقعد الأول، سلاحها الجد والعصامية، الإيمان بأن العبقرية إرادة وإيمان، تضحية ونضال، مع احتمال للوراثة والتربية، لأن من يقدم الوراثة والتربية قد يجعله مستواه الاجتماعي جبريا متواكلا. ومن يقدم الإرادة والجد والإيمان القوي بالله والنفس يترجمها للعمل. هذه القيادات والكفاءات التي تعتبر مخرجات المدرسة العمومية هي قدوتنا وتسليتنا في النجاح، والنبع الزلال المؤنس في حر الوصل،

نأمل في كل الناجحين والناجحات أن يكونوا من هذا الصنف الذي زاحم بقامته القصيرة، ولباسه الرث، وحذاءه المغبر أبناء الميسورين، الذين تنتظرهم المناصب والمكافئات منذ الولادة، وربما قبلها

فإذا كانت الباكالوريا مرحلة حاسمة، وتتويجا لمسيرة، صارت لها اعتبارات اجتماعية، تولد عنها الضغط الممارس على التلاميذ، وأحداث الفرح والاحتفال، بل وبعض الظواهر السلبية الحديثة كالإقدام أو التفكير في الانتحار وغيرها.. إذا كانت كذلك، فما هي أخبار/ معالم المرحلة القادمة؟ وهل قطع الصعب ليصير ما بعده سهلا؟ وهل اقترب الطالب والطالبة من تتويج جهده بعمل يصون كرامته، ومستوى ثقافي يبني ذاته؟ ويؤسس رؤيته؟

أحوال الطقس تتنبأ بعواصف رعدية لا تبشر بالخير لما بعد.. وأعتذر لمن سببت له إحباطا، وليلم نفسه لأن النشرة الإنذارية غايتها الاستعداد والثبات والتسلح بالثقة والعزم والأمل.

فأول مشكل يعترض الطالب هو التوجيه والاختيار، فمع الأسف هناك فئة كثيرة تختار لأسباب غير بيداغوجية، ولا علاقة لها بفن التوجيه. بل تختار مثلا ب:”قرب الكلية”  “فيها أصدقاء قدامى”  “إنما أعطيت الملف لفلان هو الذي اختار لي..””تلبية رغبة أسرتي..” وغيرها من الغرائب

الثاني حال جامعاتنا التي صدق المهدي المنجرة حين وصفها في كتاب “عولمة العولمة” ب الإقطاع الجامعي، فالجامعة المغربية – مع الأسف- تقتل الطموح، وتولد الانفصام، وتؤسس للتبعية ما يجعلها زاوية للولاء والطاعة، للشيخ والمريد، للتأمين والمصادقة.. كما أنها مؤسسة للولاء، فأغلب توظيفاتها بالولاء والانتساب، ومعايير القبول في مسالك الدراسات العليا يهيمن عليها الولاء والذمم والرشاوى..

لا أعمم هذا ولا أنكر فضلها علي وعلى غيري، وأن بها كفاءات جادة، ومكونين أفاضل استفدنا منهم الكثير، إنما أرسم بإنصاف وضعا عانيناه حتى جعل زميلا لما سأله آخر: هل ستسجل الماستر هنا؟ فأجاب بزفرة ألم ” ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون”

كما جعل ءاخر يكتب مقالا بعنوان دال ” صناع الأغمدة”

فهناك كليات على الطالب أن يفقه جيدا أبجديات الاستدراك كما يفقه الإمام أحكام قبل السلام وبعده، يستعد الطالب للاستدراك قبل استعداده للدورة العادية، وقد يبشر بكتابة اسمه ضمن الغائبين، أين غابوا ؟ الله أعلم.

– الثالث هزالة البداغوجيا أو فن التربية والتعليم، الجامعي، إذ تسيطر ثقافة ” بضاعتنا ردت إلينا” التلقين والحفظ، التعنيف وقمع السؤال/ صناع الأغمدة.

الخوف من المناقشة وإبداء الرأي الذي يكون مصيره الانتقام..

– الرابع النية المغشوشة، وهي الرغبة في الشهادة الجامعية، والنقط المرتفعة بأي ثمن. ما يجعل صاحبها يرفع شعار ” الرغبة تبرر الوسيلة” فيجيز لنفسه الغش، وتسول الدرجات، ومحاولة تقديم الرشاوى إن وجد من يقبلها. وهكذا

– الخامس التوجه البئيس للدولة حديثا، وهو التخلص من التوظيف، وتعويضه بتشجيع القطاع الخاص خاصة في الصحة والتعليم، وهذا ليس مشكلا إنما المشكل أن لا تأخذ الدولة ضمانات لتطبيق أدنى مبادئ قانون الشغل، واحترام الكرامة الإنسانية في القطاع الخاص. فالدولة تعاقدت مع القطاع الخاص ليخفف عنها الحمل، ووعدته التشجيع بتخفيض الضرائب والدعاية السياسية والإعلامية له، لكنه ظلمت من نصبوها حكما ومنصفا لهم وهم الشعب حين سكتت عن تطبيق القانون، والدفاع عن كرامتهم

كما أن تعويض التوظيف بالتعاقد، وتخفيضه برفع سن التقاعد الذي يترتب عنه مفاسد كثيرة منها رفع نسبة البطالة وحرمان الطاقات الشابة من العمل.. هذا سيرفع نسبة العطالة للحاصلين على الشواهد، ما يجعل خريجي الجامعات والمعاهد، في وضع سوداوي بعد التخرج، سيضطرهم إلى محاولة التخلص من تاريخهم الدراسي، بل قد يدفعهم إلى الإحباط. وإن كان هذا التصور والسلوك خللا في تصور صاحبه، لأن الغاية من الدراسة هي محو الأمية، وبناء الذات الواعية، والقدرة على النقد والتخطيط للحياة، وتدبير الأزمات.. فالوجاهة ليسي في الوظيفة. بل في التسلح بالأيمان، والثقة في الله والنفس، والسعي في أبواب الرزق الحلال أيا كان نوعها.

فعلى الناجحين التحلي بالعزم والثقة بالله والنفس، وأن يخططوا جيدا لما سيختارون، فرأسمال الطالب هو عمره وكفاءته، والله الموفق والمعين


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*