الفلسفة السياسية تحت المجهر…


بقلم خالد الشادلي:

في زماننا ألا يوجد سياسيا فيلسوفا؟.

مر مفهوم السياسة وعلاقتها بالفلسفة ،بمجموعة من المراحل المفاهيمية، بدءا من التفكير العقلاني الفلسفي ،اليوناني مرورابالعصرالوسيط الإسلامي أو المسيحي وصولا إلى العصر الحديث وانتهاءا بالعصر المعاصر حيت نجد كل فيلسوف عصره ينظر ويبحث في مفهوم السياسة من وجهة نظر الفلسفة ,ومن الطبيعي وجود اختلاف في الافكارحول هذا المبحث،والذي يرجع  إلى السياق التاريخي والمكان والواقع المتحكمون في افكار ونظريات الفلاسفة ،ونعلم ان التاريخ في صيرورة لا متناهية ،وبالتالي من البديهي ان نجد كذلك الافكار والنظريات في صيرورة لا متناهية ،على شاكلة المنطق الرياضي.

 لكن ماهي الارهاصات التي ساهمت في بروز هذه الافكار والنظريات المتعلقة بالسياسة وعلاقتها بالفلسفة ؟.

_الفلسفة خرجت من رحم السياسة_.

 يعتبر تأسيس الدولة المدينة ،قفزة نوعية في مسار السياسة والتفكير السياسي ، على تلك التي كانت سائدة قبل هذا الزمن ،أي زمن التأسيس.بحيث ساحة _اكورا_شاهدة على هذا الميلاد؛ميلاد الديمقراطية .واصبح المواطن اليوناني يناقش قضاياه ويجادل فيها بشكل حر دون قيود او حواجز استبدادية ،كما كان في السابق .

ويعتبر سولون اول المشرعين القانونيين ،حيث اعطى صبغة جديدة لتناول قضايا مجتمعية ،بعدما كانت لغة الاستبداد هي الطاغية على المجتمع الاغريقي القديم ،والحروب الاهلية والغزوات …،  شاهدة على ذلك التاريخ المأساوي.وتعتبر الديمقراطية اليونانية القديمة (ماقبل الميلاد )اهم حدث سياسي تعرفه البشرية جمعاء .وكانت لهذه الديمقراطية الحقيقية بكل مقياس ،الوقع على المجتمع اليوناني،حيث طغت لغة النقاش والجدال و تبادل الآراء والتصورات .

وبناءا على هذا المعطى ،كان لزاما من ظهور دور التعليم من اجل تعلم اسلوب النقاش والجدال والدفاع عن الأفكار ،وحركةالسوفسطائية نموذجا لذلك ،حيث عمل زعمائها الى تعليم الناس فن الخطابة والالقاءمقابل اداء مالي ، يعني اصبحت تجارة مربحة للسوفسطائيين .ولكن في الاخير انحرفت عن الطريق الصحيح ،باعتبار السوفسطائي بدأ يعلم الناس ومعهم الشباب كيفية الدفاع عن افكارهم امام الملأ ،ولو كانت هذه الافكار غير صادقة ،وبذلك نتج من جديد انهيار القيم الاخلاقية للمجتمع اليوناني.

ومع مجئ سقراط الفيلسوف العملاق ،الذي عايش السوفسطائيين،والذي لم يرض بما يقومون به ,من الاعمال التي تشجع على الظلم والانحلال الاخلاقي .مما حدا بسقراط التجول داخل الاسواق والازقة وتوعية الناس وخاصة منهم الشباب مستقبل اثينا .

وبدا سقراط يستفسر عن مجموعة من المفاهيم :المعرفة،الفضيلة،العدالة ….،وهذه الامورخلقت له صراع مع السوفسطائيين،إلى جانب أمور أخرى متعلقة بالجانب الديني والسياسي التي كانت تقلق سقراط باستمرار ،و هي اوضاع اثينا الغارقة في الاستبداد ، وكانت الضريبة  في الاخير ،توجيه تهمة إفساد أخلاق الشباب،وبالتالي إفساد المجتمع اليوناني .

وكانت النهاية _نهاية مأساوية_ ،وذلك بإعدام سقراط بسم قاتل .وهذه الأحداث كان لها اثر بالغ في نفسية تلميذه افلاطون ،الذي سخط على هذا الوضع المظلم،وكانت النتيجة هي هجرة أثينا .وكان لهذا التأثر بالغ الأهمية،والدليل على ذلك ,ان اسم سقراط كان دائما حاضراتقريبا في كل محاوراته ،ومحاورة الجمهورية نموذجا،حيث تطرق فيها أفلاطون الى مفهوم العدالة والظلم والمدينة الفاضلة ،وكذلك كيف ان الفلسفة والفلاسفة  سيكون لهم دور في مساعدة الحكام  في الحكم، وصولا الى اقتراح ان يكون الحكام _فلاسفة _،لكونهم يتميزون بالحكمة والتبصر في معالجة مجموعة من القضايا السياسية ،وبدون ارتكاب اي خطأ في حق المحكومين؛ (الشعب).وتعتبر محاورة الجمهورية،والتي هي اسم على مسمى ،باعتبارها كانت عبارة عن حوار يدور بين سقراط ومحاوريه،وكان لمفهوم العدالة والسياسة …..,الدور المهم في المحاورة .والفكرة التي اراد ان يوصلها في محاورة الجمهورية أو محاورة السياسي اوحتى محاورة القانوني ،هي ان الفيلسوف هو من له الأحقية في الحكم ،لاعتقاده، لو كان أثناء محاكمة سقراط واعدامه ،حاكما فيلسوفا ،لما حصل ماحصل لسقراط.لكن هذه نظرية باءت بالفشل في ارض الواقع باعتبار الفيلسوف إنسان يمكن إن يخطئ أو يصيب.وبذلك قد نقول أن افلاطون بقي رهين  عالمه  ،عالم المثل.

لكن دائما الفلسفة كانت حاضرة، بل هي حارس ومراقب للسياسي.وهذه الخطى ذهب عليها تلميذ افلاطون ،و هو ارسطو صاحب الفضل على مجموعة من المجتمعات اللاحقة ،وليس فقط على المجتمع اليوناني.

ناقش وتطرق ارسطو بدوره للسياسة وعلاقتها بالا خلاق.ووجبت الإشارة أن السياسة هنا مازالت مرتبطة بالقيم الاخلاقية ،وهذا ما اكد عليه ارسطو باعتبار ان السياسة معرفة عملية مرتبطة بالواقع وكيفية تدبيره،تدبيرا يمنح لأفراد المجتمع _السعادة _.

ومن هنا قد نقول اذا كانت السياسة مرتبطة بالأخلاق ارتباطا وثيقا ،فبالضرورة يكون المجتمع سعيدا فرحا وفي طمأنينة كاملة ،وان كان العكس هو السائد فبالضرورة نجد العكس .

وهنا قد نلاحظ فرقا بين ارسطو وافلاطون ، حيث نجد الاول يعطي الأهمية للواقع المعاش والمحايث ، عكس أفلاطون الذي بقي يعيش في الاحلام وعالمه .وان كان يشتركان في اهمية الاخلاق والفضيلة في الممارسة السياسة .

على العموم ارتبطت السياسة بالفلسفة على مر التاريخ، وان كان العكس بدوه صحيح، ومازال هذا الارتباط إلى يومنا هذا حاضرا، وان كان عليها أن تحضر بقوة أكثر من ذلك،لان الوضع أصبح لا يطاق.وان اختلفت الرؤى.

اصبحت السياسة في العصر الحديث تاخد شكلا أخر،غير الأخلاق ،وان كان فلاسفة العصر الحديث لم ينادون بالتخلي عن الاخلاق ،بل هو شرط كذلك في ممارسة السياسية ،وهذا نجده بقوة عند فلاسفة العصر الحديث :(مكيفافلي، هوبز ،رسو….،ماركس )،ويعتبر مكيافلي احد ابرز الفلاسفة المهتمين بالسياسة في عصره ،ولاسيما انه مارس السياسة وقارب السلطة في ايطاليا ، التي كانت بالمناسبة متطورة في كافة المجالات،إلا في السياسة كانت مهزومة فيها .وكما سبق وقلنا أن ميكيافلي أهم الفلاسفة السياسيين ،بل يعتبر حلقة وصل وفصل بين الفكر السياسي الكلاسيكي والفكر الحديث ،وقد يطول الكلام عن هذا الفيلسوف السياسي الواقعي ،وكتبه تتكلم عنه : “الامير “،فن الحرب ” ،وواجب الاشارة عند قراءة هذان الكتبين ،لابد من قراءة عمق الافكار وابعدها ،ولا يجب التحلي بالأحكام المسبقة ، كما له اسهامات اخرى في مجالات متعددة : الفنون ،الآداب ،التاريخ،….،.

والفلسفة السياسية لم تنتهي مع الفلاسفة السابقين ،بل تمتدالتجربة  الى فلاسفة معاصرين أمثال :مشيل فوكو،والاخرون .

هل في المستقبل سوف نشاهد ثورة فلسفية سياسية من اجل الخير للكل؟.

 

 


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*