صـــونــا للتعايش…


حسن اهضار:  

تثير الناظر ظاهرة شرعت تطفوا على السطح أخيرا، وأراها تعكر صفاء جدول التعايش، ومنسوب الأمن، ونوافذ تدبير الخلاف.. وهي ظاهرة الاصطفاف والتظاهر والتخندق ضد زيارة كل ذي رأي مشاكس، أو فكر مخالف، 

فما محل هذا السلوك من الإعراب في النحو الحضاري/ الثقافي؟

وما دلالته ونتائجه على الأمن والعرض الوطني؟

وما رتبته في سلم الإنسانية والسواء والسمو الإسلامي؟

إنه من المحير والمخزي أن تتوالى أحداث التظاهر والصياح ضد زيارة فلان أو فلانة من بعض مشاهير الإعلام، أو الفكر، أو الدعوة وغيرها.. مادام المعني إنسانا يومن بفكرته، ويدافع عنها بالآليات المقبولة من لسان وكتابة. ولم يلجئ لتمريرها بالعنف. أما من يدافع عن رأيه بالعنف، أو من تورط في مجازر وحروب ضد الإنسانية فالصواب أن نمنعه من الزيارة تضامنا من المستضعفين أيا كانوا، وعقابا له على إجرامه ولو رمزيا..

وظاهرة التظاهر ضد زيارة المغرب، وشن حملات سخرية وتشويه ضد وافد ما فسلوك غريب عن سنة المغاربة وعادتهم العريقة في الكرم، والترحاب، والتلاقح، وتدبير الخلاف بالحوار، وحسن الجوار.. فللمغرب هويته وخصوصيته الثقافية/ الحضارية، شكلتها تداخلات كثيرة منها: الامتداد الأفريقي، والرشد الإسلامي، والموقع الجغرافي العابر بين القارتين..

فأن تنبري مجموعة سواء من هذا التيار أو ذاك وتصدح بصوتها ضد فلان ، وغدا أخرى ضد فلان أو فلانة.. يعد رد فعل عنيف، وغير سوي، ففي ظرف سنة أو سنتين: منع الداعية محمد العريفي، وأهين العالم زغلول النجار بأسئلة استفزازية، وها نحن اليوم نرى من يسخر من الكاتب نوال السعداوي.. والله أعلم كيف ستتطور الأمور غدا؟

وإذا سمحنا لهذا السلوك بالتطور وسايرناه فمن الخطأ توهم أنه موجه للآخر الوافد، أو عقاب لمشاغب أو ذي أفكار غريبة تمس بوجودنا وثوابتنا.. بل سيتطور هذا الأسلوب سلاحا ضد أبناء الوطن أنفسهم يقاتل به بعضهم بعضا، بل إن هذا واقع فعلا ومع الأسف خرج من أشرف موقع يرجى منه أن ينبت أزهارا تقبل الآخر وتحسن تدبير الخلاف معه، وهو الحرم الجامعي..

ومن دلالات هذا السلوك الذي أراه غير سوي: 1 – أنه نابع من رؤية أحادية، مصابة بعمى الألوان خُلقيا، وليس خٍلقيا، إذ يرى هؤلاء – سواء من بعض الإسلاميين أو بعض العلمانيين – الوجود إما أبيض، أو أسود، ولا وجود لألوان أخرى= معي أو ضدي.

وهذا ما يجعلهم يضيقون ذرعا ونفسا بالمخالف،

2- ضحالة المستوى المعرفي، والتأطير المنهجي والجدالي الذي يمكنهم من النقاش والجدال مع المخالف، ونقده أو نقضه

3- فقر القراءة والمطالعة، فأغلب من يتخندق ضد عالم أو مفكر أيا كان اتجاهه برد فعل عنيف لم يقرأ له، وليس مستعدا لذلك، إنما جمع شذرات متناثرة عنه مصابة بتلوث العصبية، أو غريزة الانتماء التي تقاوم من يهددها.. فمما يستغرب له         – مع تجاوز من ذكرت أسمائهم –  أن كثيرا من الذين يتحدثون عن الغزالي أو ابن تيمية أو المعري من القدماء مثلا،        أو طه حسين وسيد قطب، و محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن، وزغلول النجار وغيرهم من الأعلام المعاصرين مثلا، تجد هؤلاء ما قرأوا لهم بعين متفحصة، وحتى إن قرءوا فإنما اتجهوا لكتاب واحد يدعم قناعتهم، ولا يتتبعون تطور فكره، ورصد تراجعاته..

وهذه أزمة أمية لا تبشر بخير، فالأجدر بنا أن نتوقف أولا ونقرأ ونرصد تطور الفكر، وتراجعات المرء، ونميز بين الأسس الاستدلالية في فكره والمضامين الإنتاجية له.. فالأولى أصيلة وعريضة، والثانية عابرة وتمثيلية..

لكن إنسان التقنية الذي اعتكف أمام صليب حديث هو الشاشة، بأصبعه الصغيرة – حسب العنوان السميائي الدال لمشال سار”- أراد أن يكون مجتهدا بلا جهاد، ومفكرا بلا عتاد، ومحاربا بلا أسلحة.. وصاحب قناعة لا تتزعزع ولا تتراجع..

وقد تكون التقية في نسختها الغربية فيما يعرف ب ” مؤامرة الصمت” أفضل من هذه التشنجات، فبعض الإعلام الغربي يواجه المخالفين لتوجهه اللبرالي، وتحكمه السياسي، والفاضحين لتلاعبه بالعقول، أو القيادات الفكرية والعلمية من أبناءه حين يسلمون ، يواجههم بمؤامرة الصمت، فيسكت عن ذكرهم ذما أو مدحا، ويقصيهم من حق الظهور في الإعلام بنوع من القتل المعنوي لوجودهم، وهذا في ذاته يفضح ادعاء الرأي والرأي الآخر، وادعاء ضمان حق الاختلاف، إنما ذكرته لأنه ذكاء غير إنساني، قد يكون أفضل من التشهير الذي نقوم به

أما أسلوب التشهير الذي نمارسه، والمبالغة في الرد على المخطئ.. فكثيرا ما تكون نتيجته عكس ما نتوهم، إذ يؤول للدعاية المجانية له، وينقلب للتعاطف الجماهيري معه، ويستغله في ادعاء كونه مناضلا ومفكرا يواجه فئة ظلامية، من هذا الاتجاه أو ذاك..

لنا في رسول الله إسوة حسنة حين جاءه الوليد بن المغيرة مساوما ببخس دنيوي في مقابل التنازل عن الصدع بالرسالة.. فلم يزد الرسول الكريم أن سكت حتى نثر الوليد جعبته، فقال” أنهيت أبا الوليد..؟ قال نعم، قال فاسمع مني: فبدأ الرسول الكريم بسكينة وثقة وقوة إيمان، وثبات مبدئ تاليا ” ما تيسر من سورة الصافات..” هنا لم يتمالك الوليد أنفاسه من نبل التحاور، وجمال الترتيل، وقوة البيان والجدل.. حتى كاد أن يسلم لولا كبرياء وعصبية حالت دونه.. فترجاه أن يسكت..

تغلبت فينا عقدة مثال النحاة ” ضرب زيد عمرا”  وليتهم تداولوا ” حاور زيد عمرا”

وكذا التصوير القرءاني الفني اللطيف للعصبية والعجز عن المواجهة ” جعلوا أصابعهم في ءاذانهم” و” أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون” و ” اقتلوه أو حرقوه”  ، هذه بعض الردود الفعلية للفشل، والعصبية والعجز عن المواجهة، مع الثبات على فكرة لست مستعدا ولا مهيئا لمراجعتها والتحاور وفقها..

لو كان التاريخ يوثق الرد العنيف لوثق السخرية الموجه لابن حزم الأندلوسي، لكنه ما وثق إلا مناظرات الباجي الجدلي معه، ما جعل الباجي يقول ” لو لم يكن للمالكية بعد القاضي عبد الوهاب إلا الباجي لكفاهم”

ولم يأفل سلطان المعتزلة وقوة حجتهم إلا حين سخروا السياسة والقوة آلية للدفاع عنها.. فكانت سيفا ضدهم واهمين العكس

  فهل صار المغرب يضيق بالمخالف بعد أن كان حامل راية التعايش التي ارتضعها من عمقه الأفريقي.. وروح الإسلام المتزاوجين فيه، ومن جغرافياه التي شكلت معبرا للضفة الأخرى ؟؟ محزن حقا أن يكون فينا من يضغط لمنع دخول من يراه مشوشا على قناعاته، فصارت كل طائفة تقاوم لتنجح في هذا السبيل، بل ولدت رد فعل عنيف..

هل درى من يقحم نفسه في هذه التشنجات أنه يتلاعب بأغلى درع واق للأمن وهو التعايش؟؟ هل درى هؤلاء أن الأرض لله تسع خلقه كله؟ هل درى هؤلاء أن الفعل ورد الفعل عاقبته الفوضى والغلبة للأقوى؟ هل درى هؤلاء أن المخالف يواجه بالجدال بالتي هي أحسن؟؟ سلوك لا يبشر بخير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد..

                      فهل من واع فيسمع؟ ومتعظ فيقنع؟ ومخطئ فيخضع؟


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE