المدرسة المغربية، إلى أين؟


بقلم ادريس رفيع

” البارحة مساء، و انا اتجول في شوارع مدينة فاس، وجدت بالصدفة قرب إحدى المكتبات إمرأة رفقة طفلها، تتسول المارة من الناس مساعدتها لشراء بعض من الأدوات و الكتب المدرسية لإبنها.قالت لي ‘‘اولدي عاوني نشري لهاذ الولييد شي شكيكيرة الله ايجازيك بخير‘‘
قلت لها ‘‘الشريفة راني معنديش ما هازش معايا الفلوس، و لكن الشريفة الله ايعاونك عليه، الله يجعل ربي يوقف معاك‘‘
قالت لي ‘‘اولدي الله ايجازيك بخير على كلام الخير‘‘
كان يبدو على هذه المرأة و إبنها الكثير من ملامح البراءة ،من خلال الكلام و المظهر. لا استطيع الكذب هذا المشهد في حينه نزل علي كالصاعقة، جعلني اشعر بألم و حزن قلما شعرت بهما في حياتي، لدرجة أنني عدت لمنزلي لم استطيع ملاعبة ابنتي و الحديث مع زوجتي لم أتناول عشائي كالعادة.
نمت و الأسئلة تتراقص في ذهني عن وضعية هذه المرأة و عن مصير طفلها، قلت في نفسي حتى ولو تمكنت هذه المرأة من جمع المال لشراء كتب وأدوات المدرسة لإبنها، هل فعلا سيتمكن هذا الطفل من مواصلة مشواره الدراسي لسنوات طوال بهذه الكيفية المهينة التي تجعل أمه تتسول كل بداية دخول المدرسي؟
هل فعلا المدرسة المغربية العمومية سوف تتمكن من إحتضان هذا الطفل و إكسابه الكفايات و القدرات و القيم اللازمة لمواجهة الحياة؟
أين هي مبادئ المساواة و الإنصاف و تكافؤ الفرص التي تتحدث عنها الرؤية الإستراتيجية للتعليم؟
لا أستطيع الكذب حينها شعرت بتشاؤم كبير اتجاه مستقبل هذا الطفل.قلت مع نفسي هذا الطفل سيكون عرضة للهدر المدرسي، الذي بدوره سيجعله لقمة سائغة بين يدي الجريمة و المخدرات. استنجت بكيفية مباشرة ان المجتمع من خلال الأسرة و المدرسة هو المسؤول الأول عن صناعة الجريمة و الدعارة و التعاطي للمخدرات… و غيرها من الكوارث الإجتماعية المتسلسلة و المترابطة فيما بينها.
حينما سيفتقد هذا الطفل لعاطفة و حنان الأسرة و يقتنع أنها غير قادرة على تلبية أبسط احتياجاته. و أن المدرسة غير منصفة و لا تحقق المساواة و لا تكافؤ الفرص و لا تمنحه المعارف و لا القدرات و لا القيم الحقيقية لمواجهة الحياة، ما هي النتيجة في نظركم أيها السادة؟
الجواب طبيعيا سيكون سلبي.
ليس من عادتي ان أطرح الإشكالات دون حلول.
أنا في نظري المتواضع لابد ان نعيد النظر في كل تمفصلات حياتنا الإجتماعية; ً الأسرة ,المدرسة الأحزاب ,الإجتماعية, الإعلام…
مامعنى ان يكون المدرس في المؤسسات الخصوصية في شارع غاندي وسط الدار اليبضاء من أجود المدرسين غالبيتهم إما دكاترة او مبرزين ،و لا داعي للحديث عن المساعد النفسي و الإجتماعي…في مقابل إغراق المؤسسات العمومية بالمتعاقدين الذين يفتقرون للحد الأدنى من التكوين سواء المعرفي او البيداغوجي او الديداكتيكي.
كيف سيتمكن هؤلاء من مواجهة تلاميذاتهم في جميع الأسلاك التي سيشتغلون فيها.
إذا كانت تربية الأبقار في الدول المتقدمة تتطلب من العمال في هذا المجال تكوينا علميا في مجال البيطرة و علم النفس الحيوان، فما بالنا عن تكوين المدرس الذي يؤطر الإنسان.
إن المدرس ينبغي ان يخضع للتكوين الضروري خصوصا التربية و علم النفس لإنه يتعامل مع ظاهرة نفسية شديدة التعقيد ،فهو مطالب بفهمها بدقة و الإحاطة بجوانبها المتعددة حتى يتمكن من مساعدة تلاميذته للتحول نحو الأفضل معرفيا و تواصليا و أخلاقيا.
المدرسة هي نواة و مؤسسة للتفاؤل و خلق الأمل للطفل و الأسرة و ايضا المجتمع لأن بيدها و بإستطاعتها خلق المواطن الإيجابي الذي ينفع مجتمعه و يدفعه إلى الأمام،انها المشتل الرئيسي في المجتمع لزرع بذور الإنسان و الإنسانية.
هذه الغاية لن تتحقق دون تهييء الظروف و السياقات و المناخ الملائم لإشتغال المدرس، الذي ينبغي بدوره أن يتلقى تكوينا صلبا ليس في مجال تخصصه المعرفي فقط، و لكن ايضا في مجالات أخرى، كالتربية، و علم النفس، التواصل نفسية الطفل و المراهق، سوسيولوجية المدرسة….. الخ.
ان غياب الإرادة لإصلاح المدرسة اليوم ; سيجعلنا رهين تخلفنا المجتمعي في المستقبل.”


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*