في مآلات تعثر حكومة بنكيران الثانية

في مآلات تعثر حكومة بنكيران الثانية


يحيى اليحياوي كاتب وأكاديمي مغربي

لم يمر على صدور نتائج انتخابات السابع من أكتوبر/تشرين أول الماضي إلا ثلاثة أيام حتى كلف الملك محمد السادس عبد الإله بنكيرانأمين عام حزب العدالة والتنمية ببدء المشاورات التمهيدية مع الأحزاب السياسية المتواجدة، في أفق تشكيل حكومة جديدة تتولى تسيير البلاد خلال الخمس سنوات القادمة.

لم يكن اختيار الملك لأمين عام حزب العدالة والتنمية اختيارا طوعيا أو إراديا خالصا، كما كان عليه الشأن قبل تعديل الدستور، بل بات إلزاميا وملزما له بمنطوق الدستور الجديد الذي تنص إحدى مواده على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر الانتخابات.

ومع أن معظم المتابعين للشأن السياسي في المغرب كانوا شبه مجمعين في حينه على أن المهمة ليست بالعسيرة فما بالك بالمستحيلة، بحكم قابلية معظم الأحزاب السياسية لبناء تحالف ما مع الحزب الفائز، ومن ثمة الإسراع في تقديم لائحة الوزراء، إلا أن الذي جرى ولا يزال يجري “لم يخطر لا على البال ولا على الخاطر”.إذ بعد مرور ما يقارب الشهرين من الزمن، لا تزال حكومة بنكيران الأولى هي التي تدبر الشؤون الجارية للبلاد، في انتظار تشكيل وتنصيب الحكومة الجديدة.

فتش عن الأصالة والمعاصرة
هناك قراءات متعددة ومتضاربة لحد التباين فيما بين بعضها البعض، حول أسباب وخلفيات هذا التعثر الذي خلناه في البداية عابرا، فإذا به يكاد يصبح مزمنا، ويشبه إلى حد ما، ما عرفه جيراننا الإسبان من مدة ليست بالبعيدة:

– ثمة رأي سائد يقول بأن التعثر الذي يعرفه تشكيل الحكومة الجديدة إنما مرده إعمال حزب الأصالة والمعاصرة، غريم بنكيران الأول والمصنف ثانيا في الانتخابات، إعماله لمبدأ “خلط أوراق اللعبة” على خلفية من ثني الأحزاب الأخرى القريبة منه (من حزب الأصالة والمعاصرة، أو الدائرة في فلكه وإن من بعيد) عن معاضدة رئيس الحكومة المعين لبلوغ نصاب المقاعد الذي يضمن له الأغلبية بالبرلمان، ومن ثمة ضمان ناصية تزكية الحكومة المشكلة.

بصلب هذا الرأي، ثمة من يذهب لحد القول بأنه مادام حزب الأصالة والمعاصرة هو حزب السلطة بامتياز، ومؤسسه “الروحي” ليس شخصا آخر غير مستشار الملك المقرب، وأنه أنشئ أصلا وخصيصا لمواجهة الأحزاب الإسلامية أو ذات النفحة الإسلامية، فإنه هو لا غيره من يشير على الأحزاب الأخرى بالنأي بنفسها عن مسألة تشكيل الحكومة وترك الأمور تسير، ولم لا “تتعفن وتتقيح” إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

وبما أن معظم الأحزاب الملمح إليها لا تستطيع الوقوف في وجه “الحزب القوي” (حزب الأصالة والمعاصرة النافذ) لا سيما وقد دعا أمينه العام (إلياس العماري) بعضا من الأحزاب إياها، وبمجرد صدور النتائج، إلى توجيه رسالة للملك تعلن فيها نيتها “عدم الدخول مع حزب العدالة والتنمية في أي تحالف لتشكيل الحكومة”، بما أنها كذلك أقول، فإنها تجد نفسها مرتهنة القرار وغير قادرة على الفعل المبادر بهذا الاتجاه أو ذاك، إلا بإشارة من هنا أو هناك، أو بتوصية مضمرة تفسح لها في المجال للتحرك.

حسابات حزبية خاصة
– ثمة رأي ثان يقول بأن تعثر تشكيل الحكومة ليس مرده ابتزاز حزب الأصالة والمعاصرة لباقي الأحزاب “القريبة منه” أو “المتخوفة من بطشه”، بل مرده الحسابات الذاتية لكل حزب على حدة، وعملها، فرادى أو جماعات، على تعظيم منسوب نصيبها من المناصب الوزارية أو مراهنتها على تقسيم المسؤوليات المؤثرة، لا سيما رئاسة مجلس النواب، التي تعتبر بمثابة السلطة الثالثة في تراتبية السلط بالمغرب.

يذهب ذات الرأي، في سياق هذه الحسابات، إلى القول بأن الأحزاب إياها لا تريد أن تعيد الكرة مرة أخرى، أي تساهم في الحكومة بكل ما أوتيت من جهد، ليأتي حزب العدالة والتنمية ليسجل كل الحسبة لفائدته، استحضارا لمقولة بنكيران: “العبرة في النتائج الحكومية بمهارة الربان”.

لذلك، يتابع ذات الرأي، فإن الأحزاب ذاتها تتطلع لأن تشارك في الحكومة وتدبر الشأن العام، لكن تتعرض للمحاسبة بناء على ما قدمت أياديها، لا على أساس أن تستصدر مجهودات وزرائها، وتحسب لفائدة رئيس الحكومة وحزبه.

– هناك رأي ثالث يقول -دون أن يقلل من صواب الرأيين السابقين- إن مرد تعثر تشكيل الحكومة إنما هو متأت من إلحاح رئيس الحكومة المكلف على إشراك حزب “التجمع الوطني للأحرار”، على اعتبار الكفاءات التي تتمتع بها عناصره، وكذا بحكم أن قادته من الصف الأول هم رجال أعمال بمقدورهم إذا لم يكن تدبير قضايا الشأن العام بمهنية وعقلانية، فعلى الأقل الاستفادة من خبراتهم في الدفع بالاستثمار واستقطاب رؤوس الأموال، بل وبعث إشارة إلى “المتخوفين” للدفع بأرصدتهم من بين ظهراني دورة اقتصادية متعثرة وفي أمس الحاجة للسيولة المباشرة والآنية.

الأحرار.. ورقة الحل والتعطيل
بيد أن تلكؤ رئيس حزب الأحرار واشتراطه استبعاد حزب الاستقلال من الحكومة، ثم حصوله على رئاسة مجلس النواب لم يرق لرئيس الحكومة المكلف الذي اعتبر ذلك ابتزازا مباشرا من لدن حزب يفترض فيه أن يكون حليفا لا صاحب شروط تعجيزية ولكأنه -يقول بنكيران- هو “الذي تصدر الانتخابات”.

وعلى الرغم من تلميح رئيس الحكومة المعين، وتهديده المبطن بأنه لو فشل في ضمان الأغلبية لحكومته، فإنه لن يتردد في “إرجاع المفاتيح للملك والذهاب إلى بيتي”، فإنه يبقى مع ذلك متشبثا بالمنصب، بل ومستبعدا لأي سيناريو قد يستبعده شخصيا لفائدة شخصية أخرى من حزبه تكون أكثر “تفهما” ومرونة.

لقائل يقول: لِم لم يعمد بنكيران إلى تشكيل حكومة أقلية إذا تعذر عليه استقطاب حزب الأحرار، مع ضمان ألا يصطف هذا الأخير تلقائيا ضمن المعارضة “المبدئية”، ويختار المعارضة النقدية، أي تزكية الإيجابي من مشاريع والاستنكاف عن التصويت إذا لم يتماه منظوره مع هذا المشروع أو ذاك؟ أليس من الأجدى “تجريب” حكومة أقلية تعمد فيها كل الأطراف إلى تحمل المسؤولية دون مزايدة أو حسابات مضمرة؟

لم يذهب بنكيران لحد عدم استلطاف هذه الصيغة، وهو المحتمي بكتلة برلمانية من 125 عضوا، بل اعتبرها أيضا شرطا تعجيزيا من شأنه أن يضع الحكومة في كف عفريت في أي وقت وحين، بل ويجعل عمل الحكومة باستمرار تحت رحمة هذا الضغط أو ذاك.

قد نسلم جدلا بما سبق، لكن كيف التسليم -وهذه المقالة قيد الصياغة- باستمرار التعثر وقد بات لبنكيران الآن الأغلبية المطلقة: أي 125 نائبا لحزب العدالة والتنمية، 46 لحزب الاستقلال، 12 لحزب التقدم والاشتراكية، 20 للاتحاد الاشتراكي أي ما مجموعه 203 نائبا، في حين أنه لا يحتاج إلا إلى 183 من أصل 395 نائبا المكونين لغرفة البرلمان الأولى؟ كيف نفسر “تصميمه” على إشراك حزب الأحرار وقد باتت أغلبيته في حل من نواب هذا الأخير، بعدما التحق حزب الاتحاد الاشتراكي وقبل بالانضمام للحكومة بعد طول مراوغة؟

بدو لنا أن ثمة أسبابا عدة تدفع رئيس الحكومة المعين لاستدرار تواجد حزب الأحرار ضمن الحكومة، نكتفي هنا بذكر ثلاثة منها قد تكون الأكثر تعبيرا:

– السبب الأول ويكمن في الاعتبارات التي سبق لنا الإشارة إليها، والمتمثلة في اكتناز حزب الأحرار لخبرات متمرسة وكفاءات مهنية مجربة، لا تتوفر لدى حزب العدالة والتنمية ولا عند الأحزاب الأخرى. تواجد الخبرات والكفاءات إياها ذو أبعاد حيوية بالنسبة لحكومة بنكيران، لا سيما وأنها (أعني الخبرات والكفاءات) هي محط تقدير خاص من لدن الملك الذي يراهن عليها في الأوراش الوطنية الكبرى التي أطلقها، وفي المشاريع الاستثمارية الواعدة التي يشرف عليها شخصيا، لا سيما في أفريقيا جنوب الصحراء، مكمن اهتمام المغرب المتزايد.

– السبب الثاني، يكمن في عزم بنكيران على ترك غريمه السياسي الأساس (حزب الأصالة والمعاصرة) وحيدا ومعزولا بمعارضة لم يعتدها ولم يتمرس عليها جيدا، بحكم حداثة عهده بالعمل البرلماني والسياسي بوجه عام. إنه يراهن على إرهاقه في أفق تحييده نهائيا من دورة العمل الحكومي والبرلماني الذي يتطلع بنكيران لتدشينه بمعية حلفائه.

– أما السبب الثالث فيتمثل في تطلع بنكيران ليس فقط إلى ضمان أغلبية مريحة لحكومته كي تباشر أعمالها بكل أريحية، بل لقطع الطريق على أية محاولة زعزعة قد تأتي من خصمه اللدود، والذي لن يجد صعوبة (لا سيما لو كان حزب الأحرار إلى جانبه) في استمالة هذا الحزب العضو في الحكومة أو ذاك للانسحاب منها، ثم تركها حينها دون أغلبية عددية، قد تغري الخصم إياه بتقديم ملتمس رقابة قد تذهب الحكومة جملة وتفصيلا بجريرته.

ما الصيغة المحتملة لو استمر حزب الأحرار في تصميمه على إبعاد حزب الاستقلال أو استمراره في رفع سقف اشتراطاته؟ رئيس الحكومة المعين حاسم بخصوص هذه الجزئية: “لن أقبل من أي كان.. أن يتصرف كأنه هو رئيس الحكومة وليس أنا”.

في هذه الحالة، قد “يستسلم” بنكيران “لقدره” ويشكل الحكومة بالمتوفر وهو 203 عضوا.
إذا رفض هذه الصيغة واستعصى عليه أمر استمالة حزب الأحرار، وأدرك ألا حكومة بدونه، فقد يطلب تحكيم الملك. وباعتبار هذا الأخير هو رئيس الدولة والمؤتمن على سير مؤسساتها واستقرارها، فقد يشير، بناء على مركزية دوره ورمزيته على رئيس الحكومة بتشكيلة حكومية ما، يكون هو الضامن المباشر لاستمراريتها.

إذا تعذرت كل هذه الحلول، فقد تتحتم العودة للصناديق.. أليس آخر الدواء هو الكي؟

المصدر : الجزيرة

مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE