ندوة تربوية بتاونات: ” قيمة المدرس… أي مرب لأي جيل ؟”


تزامنا مع الاحتفاء باليوم العالمي للمدرس، الذي يخلده مدرسو العالم في الخامس من  أكتوبر من كل سنة، ونظرا لأثره المعنوي البالغ، مما جعل منه– بحق- محطة تستوقف هيئة التدريس ، ورغبة منهم في تفعيل الحياة المدرسية من أجل الإسهام في الرقي بالمنظومة التربوية، عقدت مؤسسة محمد السادس التأهيلية باقليم تاونات ندوة تحت عنوان :”قيمة المدرس .. أي مرب لأي جيل ؟ موضوعا لها، و” المدرس والمتعلم.. معا من أجل بناء مدرسة الغد”، شعارا للفعالية، وذلك بتنسيق مع جمعية آباء وأمهات وأولياء التلاميذ بها، نظم يوم 18 أكتوبر 2017 بالمقصف الداخلي التابع لمؤسسة نفسها، وبحضور أساتذة من مختلف الأسلاك والمواد التربوية ومن باقي المدن المغربية بالإضافة إلى مشاركين من فعاليات المجتمع المدني وتلاميذ وتلميذات ثانوية محمد السادس التأهيلة   وذلك تنفيذا للبرنامج السنوي للمؤسسة، إذ يعتبر نادي الحكمة والإعلام أحد مسطريه ، والذي يشرف على تأطيره الأستاذ عبد اللطيف الحافضي وفريقه بثانوية محمد السادس التأهيلية بالورتزاغ التابعة للمديرية الإقليمية للتعليم بتاونات.

ترأس الجلسة الافتتاحية الأستاذ المفضل بنعلوش، حيث استهلها بالترحيب بالحضور الكريم وثمن موضوع الندوة، الذي يستمد راهنتيه ويكسب أهميته من كون المدرس  قاطرة لتحقيق النماء المعرفي والأخلاقي للناشئة،  وما يحمله من رمزية  تاريخية مستمدة من الفكرة التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة، ثم بعد ذلك وزعت الكلمات الافتتاحية حيث بدأ مدير الثانوية التأهيلية محمد السادس  الأستاذ مصطفى المودني، كلمته بالترحيب بالحاضرين، منوها بالمبادرة التي اعتزمها نادي الحكمة بالمؤسسة والطاقم المشرف عليها، من أجل تفعيل حياة مدرسية غايتها تعزيز التعلمات  وتحقيق النماء المعرفي لدى الناشئة مشيرا إلى أن المؤسسة دائمة الانخراط  في مثل هذه الأنشطة التربوية وعلى استعداد مستمر في المساهمة في تنظيم لقاءات فكرية وتربوية كهذه.

وتطرق المشاركون في الجلسة التربوية الأولى، التي ترأسها الأستاذ عبد اللطيف الحافضي ( أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي)إلى أخلاقيات التدريس، في محاولة منهم لرسم وفهم صورة المدرس داخل المجتمع ، وفي هذا الإطار تحدث الأستاذ إدريس رفيع (أستاذ التعليم الثانوي- ثانوية محمد السادس التأهيلية بالورتزاغ) عن أخلاقيات مهنة التدريس بين المحلي والكوني ، وذلك من رصده لقيمة المدرس معتبرا أن هذا الموضوع معقد نظرا لموسوعية مقارباته، فأكد أن المدرسة تشكل مدخلا أساسيا، وشرطا ذاتيا لإعادة الاعتبار لقيمته، لذلك فمهنة التدريس ليست مهنة عادية يمكن امتهانها.

 أما الأستاذ محمد الفلاقي (أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي بتازة، أستاذ سابق بثانوية محمد السادس التأهيلية بالورتزاغ)، فقد وضح بشكل مقتضب مسألة القيم في علاقتها بالمدرس، معتبرا “أن القيم إلى جانب المدرسة تعتبر العمود الفقري للمعارف،إذ لا معرفة بدون قيم، لكن واقع الحال يبرز العكس، لأن المؤسسات التعليمية اليوم تعاني من أزمة قيم عميقة، والمتعلم أصبح يرفض سلطة الوصايا ومفاهيم  من قبيل احترم.انتبه.افعل … يرى فيها مفاهيم فارغة ومتجاوزة ولايمتثل لها، مما يساهم في انتشار ظاهرة العنف، والسؤال الذي يفرض نفسه هو هل هناك أخلاق في واقعنا؟، لقد تأسف الرجل بشدة على أزمة القيم التي تنخر جسد منظومتنا، ولا حل لهذه الأزمة إلا إذا كثفت المؤسسات التعليمية من مثل هذه المبادرات التي تفعلها الأندية، فضلا على ضرورة بناء علاقة تتسم بالود والحب بين التلميذ والمدرس، لهذا نحن اليوم في حاجة إلى نموذج تربوي محلي”.

وفي الجلسة التربوية الثانية،التي ترأسها الأستاذ عبد الوهاب الحداد( إطار إداري)، تباحث السادة الأساتذة المتدخلون حول صورة المدرس والمتعلم في ظل تكنولوجيا المعلومات، بحيث تطرق الأستاذ محمد المرزيق (أستاذ التعليم الابتدائي، ناشط إعلامي وزجال) إلى “قضية  تعامل أعمدة الصحف المغربية على وجه الخصوص الالكترونية منها والمكتوبة والمسموعة، والتي عادة ما ترسم صورة قاتمة خاصة حينما يتعلق الأمر بالجانب الاقتصادي للمدرس بعد انهيار مكانته الاجتماعية، وخاصة تعاطيها مع قضيته الاقتصادية  بناء على تدهور قدرته الشرائية وانتماءه للطبقة المتوسطة، مما يجعل من قضيته مادة دسمة تغذي أعمدة الصحف، وتطرح إلى الرأي العام فضلا عن نشر غسيل كل القضايا المرتبطة به في بعض الحالات الشاذة بنوع من التشهير والتعميم كأنها القاعدة دونما أي احترام لقدسية وشرف المهنة. لدرجة أن المجتمع أصبح مقتنعا  بهذا الوضع القاتم والسوداوي ، لكن بالرغم من ذلك فإننا لا نجزم، وحتى لا نقحم جهة في قفص الاتهام ، فهناك منابر تتخذ من نفسها مدافعا عن المدرس والمدرسة حينما تنتقد السياسة التعليمية المغربية  التي لا تنفصل عن السياسة الاجتماعية والاقتصادية”.

أما الأستاذ احمد الشهبي( أستاذ للتعليم الثانوي ومدون ) “فرصد أسباب ودواعي تدني قيمة المدرس داخل المجتمع، وعزى ذلك لأسباب موضوعية وأسباب ذاتية، مشيرا إلى أنه في الآونة الأخيرة تراجعت قيمة الأستاذ الذي أصبح مهان بالمغرب، في الوقت الذي يعتبر المدرس في الدول المتقدمة ركيزة أساسية داخل المجتمع باعتباره الحل الوحيد لصنع جيل يسير ببلده نحو التطور، عكس ما يحدث حاليا بمجتمعنا فقد جعلوا منه مجرد فرد من أفراد المجتمع بعد أن كان شريكاً للأسرة في التربية، أما الآن فهو واحد من أفراد المجتمع لا يتردد المجتمع بأفراده وقنوات إعلامه المختلفة في كيل التهم وتوزيع الشائعات السالبة عليه وفي الأخير بتوجيه رسالة للمدرس وحثه على بدل مجهوده من أجل الرقي بالمنظومة التعليمية”.

أما الجلسة التربوية الثالثة،التي ترأسها الأستاذ إدريس محارتي ( إطار تربوي)،فقد خصصت لمناقشة سبل إعادة المكانة السوسيو- تربوية للمدرس، تطرق من خلالها الأستاذ نبيل الحموي( أستاذ التعليم الابتدائي وفاعل نقابي)، بحيث أشار إلى “أن هناك مرتكزات أساسية كسبل لإعادة المكانة السوسيو-تربوية للمدرس لخصها في ثلاثة نقاط أساسية: أولا أن يعمل المدرس من خلال وظيفته على تطوير ذاته وإمكاناته والعمل على مواكبة المستجدات، ثانيا : تفعيل دور الإدارة التربوية وذلك بتوفير الظروف الملائمة للمدرس وإشراكه في كل الإصلاحات المعتزمة، ثالثا: ينبغي للمجتمع أن يعترف بالشخص الذي كرس حياته لبناء الأجيال وتنشئة الأطفال”.

 إلى جانبه، أشار الأستاذ عبد الوهاب الحداد( إطار تربوي وإداري)،إلى قيمة المدرس انطلاقا من سياقات تاريخية، موضحا أن قيمة المدرس تراجعت مع نهاية الدولة الوطنية في ظل هيمنة الامبريالية الجديدة، التي جعلت الفرد وجها لوجه أمام مؤسسات رأسمالية لا قيمة للرأسمال البشري فيها. ومع تراجع دور المدرسة التي كانت امتدادا للأسرة ومصنعا، ثانيا للرموز والقيم وبناء أنا جمعي هوياتي وثقافي وطني .فضلا عن تفكك الأسرة التي كانت تغرس جملة القيم والأخلاق والمبادئ العامة هذا في ظل تراجع السلطة البطريركية (الأبوية)، وهيمنة الصورة التي تساهم  بشكل كبير في صناعة القيم والرموز وتشكل وعي ولاوعي الناشئة مع تقنيات الإغراء الذي تمارسه فتقتل أي شكل من أشكال المقاومة والممانعة،  خاصة أنها تحظى بالانتشار والتداول وفي ظل تراجع الفعل القرائي. فجعلت المتعلم في غنى عن الدور الذي يقوم به المدرس إلى أن أصبح هذا الأخير نفسه ضحية ، لذلك فقيمة المدرس لا يمكن أن ترتفع إلا من داخل مشروع مجتمعي متكامل مع القيام بثورة على القيم الثقافية السائدة في المجتمع اليوم والتي غالبا ما تصنف المغرب ضمن مراتب متأخرة في التنمية البشرية في منتديات اقتصادية مثل دافوس(سويسرا)، فضلا على ضرورة الإيمان بدور وفاعلية الرأسمال البشري مثلما فعلت اليابان وغيرها من الدول التي لا تمتلك الثروة أو الطاقة.

خلص المشاركون خلال هذه الندوة إلى مجموعة من المقترحات والتوصيات منها:

 – جعل هذه الندوة الفكرية تخليدا سنويا لليوم العالمي للمدرس وترسيخه ليصبح تقليدا سنويا ليرقى إلى ذكرى تخلدها المؤسسة كل سنة.

– تفعيل فلسفة المبادرات الهادفة إلى تنشيط الحياة المدرسية من خلال تفعيل النوادي، من أجل إعطاء الفرصة للفاعلين والشركاء والمنخرطين في الحياة المدرسية .

– تحسين جودة التعلمات للجيل الناشئ واستغلال فضاءات المؤسسات التعليمة من أجل الإسهام في تحقيق مدرسة الجودة والإنصاف والارتقاء  مع ضرورة إشراك المتعلمين باعتبارهم أساس العملية التعليمية التعلمية.

– لابد من توسيع المجال الزمني، ليصبح يوما تنشيطيا متنوعا بدل زحمة الفقرات وتدارك الموقف من أجل خلق نقاش هادف وفعال مع المشاركين والمتدخلين والحاضرين والتفاعل معهم.

– ضرورة الاحتفاء بالمدرسين الذين أحيلوا على التقاعد، والذين سبق لهم اشتغلوا بذات المؤسسة ليكون عرفانا بالخدمات التي قدموها للمنظومة التربوية عامة وللناشئة خاصة.

وتجدر الإشارة، إلى أن هذا النشاط تميز بحضور وازن ومكثف للأساتذة والتلاميذ والطلبة وبعض من ممثلي من وسائل الإعلام، من مختلف المناطق المجاورة، وبحضور كافة الأطر التربوية والإدارية عن النشاط الفكري من أجل الاحتفال باليوم العالمي للمدرس، لرفع قيمته وتحسين صورته والتي أضحت ضرورة آنية اجتماعية وتربوية نظرا لما يقوم به من أدوار اتجاه الناشئة بهدف بناء مجتمع تربوي متنور تنحصر متطلباته في الحاجة إلى المدرس والمتعلم إلى جانب المعارف.

وتخللت الندوة التربوية، تسليم تذكار للأستاذ محمد الفلاقي تقديرا للخدمات الجليلة التي قدمها للناشئة وللمنظومة التربوية، كما تم توزيع شواهد تقديرية على الأساتذة المشاركون في فعاليات الندوة التربوية، اعترافا بالمجهودات التي بذلوها طيلة تحضيرهم لمضامين مداخلاتهم قبل وأثناء وبعد الندوة ، فضلا عن توزيع شواهد تقديرية على أعضاء نادي الحكمة بالمؤسسة التي احتضنت النشاط التربوي والذين يرجع لهم الفضل في إنجاح هذه التظاهرة التربوية وذلك من خلال  إشرافهم على تنظيم وتأمين فعالياتها.


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE