“#التعليم من سيرتي الذاتية” لعماد حفظي تتوج كأحسن قصة قصيرة أسبوعية بمجموعة LECTURE


في إطار مسابقة أحسن قصة قصيرة ، و  التي تشرف على تنظيمها كل أسبوع مجموعة LECTURE على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك ، و من خلال الاستفتاء الذي تم اجراؤه ، فقد استطاعت قصة “#التعليم من سيرتي الذاتية” لصاحبها عماد حفظي من الظفر بهذه الجائزة الرمزية و التي من شأنها أن تشجع عددا من الكتاب المبتدئين على الإبداع أكثر فأكثر.

عماد حفظي في قصته القصيرة و الجميلة يروي بنوعية ينتابها نوع من السخرية الطريقة التي تم ادخالها به الى المدرسة و الخطوات الأولى التي مشى بها رفقة والدته في أول يوم له في التعليم العمومي، و كيف كان والده الحازم و السادج في نفس الوقت ينظر لكل الأمور المحيطة به ، و كيف كان يظن أنه بمجرد دخول ابناءه للتعلم سينيرون بعلمهم منزله الذي يفتقد للكهرباء.

إليكم القصة:

#التعليم
من سيرتي الذاتية
كان والدي شخصا ساذجا ، أعترف بذلك فما أن سمع ذات يوم من مذياع ‘الحاج اشاوي’ مشغله مقوله فحواها ‘العلم نور و الجهل عار ‘ حتى سارع بإرسالنا نحو المسيد و أيضا تسجيلنا ب’التحضيري’ ، فكان هو يخال أننا سننير الدار بنور العلم و لن يضطر حينها و يكلف نفسه عناء ‘ الطلوع و الهبوط’ ليحصل على ترخيص إدخال التيار الكهربائي من ‘المخزن’ ، فوالدي يلقب كل الأمور التي ترغمه على إستخراج ورقة كيفما كان نوعها أو توقيعها أيضا ب ‘ المخزن’ ، و يطلق اللقب على ساعي البريد ، المكتب الوطني للكهرباء ، الطبيب ، الصيدلي، العدول .. و عبثا إنتظر والدي لسنوات ليضيء نور تعليم أبنائه ليجد نفسه أخيرا مضطرا ليحمل ‘لاكارط’ و وثائق الدار و يبدأ ب’طلوع و الهبوط’ و إن إحتدم غضبا يشتم الجميع حتى ذاك المذياع و أيضا قد يسب و يشتم من يقف قبالته ليسأله :
– ياك لاباس اد احماد مال وجهك صفر و غا طالع ليك دم ..
– صفر و لا كحل و نتا مالك …
قد يعتذر الواقف قدامه و يغادره بلطف و قد يمضي دون أن يعتذر و الأمر سيان لدى والدي ، و كان هو أكثر من أمنوا بمقولة ‘سبق الميم ترتاح’ فلا ينطق جملة يغيب عن أولها ‘الميم’ ، ‘ ماعنديش ، ماكاتقاضاوش نتوما ، ماغانجيبش ‘ و حينا اخر قد يوظفها كسؤال إستنكاري كقوله ‘ ماغاتفيقش تمشي للسكويلة را سبعة هادي ‘ لم يكن هو ينتظر مني الرد على سؤاله أو ان أتمنى له صباحا جميلا ، بل ينتظر أن أغادر فراشي لألتحق بأول يوم لي بالمدرسة فقد حل الموسم الدراسي الجديد ، إنتظرت مغادرة والدي الدار لأنعم بهنيهات أخرى من النوم ..
فتحت المدارس أبواب التسجيل , لتنفتح في وجهي أبواب عالم جديد , عالم سبقني إليه إخوتي , عادت أمي لتوقظني قبل الجميع بل و قبل أن تطعم دجاجاتها و التي لا تغفل عن ذلك يوما واحدا فقد إعتادت هي طيلة سنوات خلت الاستيقاظ على صوت الديك لتضع لدجاجها صحن ماء و حفنة حبات قمح أو شعير فلا النوم و لا الحر و لا القر و لا المرض يبعد أمي عن روتينها اليومي هذا إلى أن خلت الدجاج إخوة لنا و يحملون نسبنا العائلي, فلو هي اعتنت بأبنائها كحالها مع دجاجاتها لأصبحنا الآن غلاظا شداد البنية ..
جادت علي والدتي بقطعة خبز أقسم لو أني أجيد التصويب لأفلحت بقتل من أصيب ، كان خبزا من إسمنت صلب ، لا يمكن قضمه و لا حتى كسره ، لا يمضغ ، بل يقضم قضما ، جلبت لي والدتي سروالا لو أني لم أثني أطرافه السفلى لظن الجميع أني أرتدي حذاءا من ثوب فقد كان السروال لأخي و الذي يكبرني سنا , و بالجزء العلوي ألبستني قميصا غابت نصف أزراره و بعضها صامد كي لا يلحق بسابقاتها , إنصعت لطلب أمي فهي من أنجبتني و إعتنت بي إلى أن بلغت السادسة من عمري لذا لها كامل الصلاحية في أن تختار لهذا الجسد الهزيل ما تشاء من ثياب و إن كانت ثيابا نسوية فلن أعارض و لن أنطق ببنت شفة , و لقدماي ألبست حذاءا جلديا ثقيلا لو حمل أحدهم مغناطيسا لنجذب الحذاء لناحيته من المسامير المغروسة عليه ..
فور إرتدائي ملابسي و حذائي تأبطت ورقة اقتلعتها خلسة من دفتر أخي الأكبر فلا أتجرأ على الاقتراب من كراساته إن كان هو بالبيت فقد كان ينهرني كلما لمحني أسترق النظر إليه و هو يقوم بواجباته المدرسية , رافقتني أمي بعد أن أوصت أختي للمرة المليون بمراقبة الدجاج و أن تفحص الخم كل برهة من الزمن إن كان هناك بيض ..
إنطلقنا على الطريق متجهين لمدرسة إبن بطوطة مبتعدين رويدا رويدا عن نباح كلاب الدوار الضالة و خصام رهط من النساء على شئ قد يبدو تافها , بلغنا باب المدرسة كان بابا ضخما من حديد , تخيلت البواب المكلف بفتحه و إغلاقه حتما هو شخص ذا بنية عظيمة , فباب بمثل هذا الحجم لابد لمن أراد فتحه و إغلاقه أن يمتلك قوى خارقة , قدام المدرسة تناثر صبيان عددهم ليس بالقليل و نساء بنفس عدد الصبيان أو أكثر أو أقل –فلم أكن أجيد الحساب حينها بعد- يستظلون بأشجار زيتون على مقربة من جدار المدرسة و هن يراقبن فلذات أكبادهن يلهون جماعة لعبة ‘الغميضة’ , كان الجو حارا و لهيب الشمس يصفع الجميع , ألصقت جسدي بأمي لنصبح كتلة لحمية واحدة تحت ظل شجرة و نحن نراقب الأرجاء , الصبيان يلهون و يعربدون غير مبالين بالحر و كأن الله جعلهم من طين فقط لا روح و أصبحوا بذاك جسدا بلا أحاسيس..
-عماد حفظي-


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE