تغيير الذات والمجتمع بين المطلب والفعل


في جل المجتمعات دوما ما نجد أن التغير هو مطلب للعام والخاص، ويتغير كلما مر الوقت والزمن وانتقل الإنسان من مرحلة لأخرى، سواء على شاكلة المجتمع ككل أو على مستوى الفرد بعينه، لكن المهم في الأمر ليس مناشدة التغير أو طلب التغيير، لكن بل هل حقا همنا هو التغيير والتحول من وضعية سيئة إلى أخرى جيدة أو على الأقل أفضل من سابقتها أو إزالة عادات وتعويضها بأخرى سلبا أو إيجابا، المهم أن نرى ما يخالف ما اعتدنا عليه، فهل مطلب التغيير الذاتي منفصل عن مطلب التغيير في المجتمع والجماعة على حد سواء؟ وهل يكفي الطلب وتناسي الفعل ليتحقق التغيير؟ وماهي أهم الخطوات لتحقيق تغيير منشود وفعال وذا قيمة في الذات قبل المجتمع؟ “كن أنت التغيير الذي تريده في العالم ” هي من أشهر المقولات التي تردد يوميا على مسامعنا أو نقولها لبعضنا البعض سواء مزاحا أو بجدية، لكن هل هي مقولة واضحة ومفهومة من طرف الجميع، بالتالي لنحاول أن نجردها قليلا لفهم أكثر أو على الأقل توضيحا للمقولة، فما قصده “المهاتما غاندي” من خلال قولته هذه، أو ما تدل عليه من خبايا ما بين السطور، سنجد أن القائل يؤكد أن العالم هو مكون من مجتمعات أو جماعات وتلك الجماعات هي مكونة من أفراد وبالتالي من أجل الوصول إلى العالم الذي تناشده يجب أن تنطلق من ذاتك أنت أو أنتي أولا قبل أن تتوجه به للمجتمع و العالم ككل و ما قد نأكده هو أن “المهاتما غاندي” لم يأتي بقولته من فراغ أو من مخيلته بل هو تجسيد لقول الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم) الرعد:11، و هذا توضيح أخر لأهمية تغيير الذات و النفس أولا و إجابة صريحة على العلاقة الوطيدة بين تغيير الذات و تغيير المجتمع بالإضافة إلى كينونة الفرد داخل المجتمع، و بالتالي مما سبق سنجزم قطعا أن تغيير الفرد و الذات هو أساس و ركيزة تغيير المجتمع، و سأختم هذه الفقرة بمقولة تعجبني كثيرا شخصيا “الشخصية ليس شيئا ولدت به ولا يمكن تغييره. مثل بصمة الأصابع. الشخصية هي شيء لم تولد به. بل أنت تتحمل المسؤولية الكاملة لتشكيلها كما تريد.” فل يشكل منكم كل فرد شخصيته بأخلاقه وقناعاته ومبادئه وأفكاره وثقافته.

بعد الجزم في العلاقة بين تغيير الذات وتغيير المجتمع والرابط المتين بينهما، وتبيان أن أساس تغيير المجتمع يلزمننا تغير الذات أولا قبل تغيير المجتمع، إذا ما سألتنا اليوم جميعا هل تريدون التغيير داخل المجتمع، فالإجابة من 99% منا ستجيب بنعم وهذا مطلب ملح وأساسي ولا يقبل التنازل عنه، لكن إذا ما تجاوزناه لمستوى أعلى قليلا وقلنا من منكم يريد أن يبدأ التغيير بذاته فستجد نسبة لا تتجاوز %5 من ستجدهم موافقين على الأقل على أخد بادرة التغيير في ذواتهم، وبالتالي سنجد أن البقية ينطبق عليهم قول الله عز وجل (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) أل عمران 167 ، و للأسف من خلال ما سردت الأن نرى أن مشكلة تغيير المجتمع أساسا ليست موجودة في المجتمع أكثر من وجودها داخل الفرد بعينه، و إصلاح المجتمع يبدأ بإصلاحه لذاته بالمـــــرور عبر مجمـــــوعة من المراحـــــل و الالتزامات و صنع مكون شخصي يرجع إليه كمرجع محدد لشخصيته كفرد و كجزء ضمن الكل.

و نحن اليوم على مشارف توديع سنة واستقبال أخرى، توديع سنة سميت ب2017 بكل ما فيها من إنجازات وإخفاقات وتجارب ذات نفع أو العكس، سواء على مستوى الفردي أو الجماعي، لكن السؤال المطروح الم يأتي الوقت لأنهاء فترة الفتور والقيام بتغييرات وتحسينات ذات طبيعة إيجابية على شخصيتك ثم على المجتمع مع استقبال سنة سيكون اسمها 2018، وبالتالي لنجعل نقطة تغيير التواريخ بين رقم 7 و رقم 8 أيضا نقطة تغييـــر في حيـــاتنــا و شخصياتنا و استغلال الدافع المعنوي الذي تخلقه جدلية هذا التغيير لصالحنا و لطموحاتنا و التي لا يمكن أن تأتي دون فعل أو عمل و سعي و في إحدى الفقرات القادمة سنسرد بعض التوجيهات العملية من أجل تغيير الذات. بقدرِ الكدِّ تكتسبُ المعالي، ومن طلب العلا سهر الليالي ومن رام العلا من غير كد، أضاع العمر في طلب المحال تـــــروم العز ثم تنام ليلاً، يغوص البحر من طلب اللآلئ هي أبيات شعرية تلخص مجموعة من المعاني لكاتبها الإمام الشافعي رحمة الله عليه ونفعنا جميعا بعلمه، لكن للأسف ما يسرد يوميا من هذا الشعر فقط جملة واحدة، وهي من أراد العلا سهر الليالي فيسهر شبابنا اليوم في مضاجعة شبكات التواصل الاجتماعي من وأتساب وفيسبوك وغيرها من باقي شبكات التواصل الاجتماعي في دردشات أو في أمور لا نفع منها، فقط ترهق الفكر والجسد والعقل وتذهب الفطنة، ويظن أن هذا السهر من الليالي هو من سيوصله للعلا والنجاح، و بالتالي لا تجعل من سهرك لليالي عوض الفلاح و النجاح التدمير و الفشل فاذا لم تكن تسعى للنجاح من خلال الليل فاستغله لنوم على الأقل لتريح جسدا أرهق من كثر العمل أو الدراسة.

إن الجانب العملي في القدرة على تغيير الذات هو الأهم من حيث المكسب والطموح وبالتالي من الواجب على الأقل في مقالتنا هذه وضع بعض التوجيهات العملية والتي تبقى فقط توجيهات يمكن لكل فرد أن يبلورها على هواه وكيفما يشاء وقتما شاء، فقط ليضع نصب عينيه أن التغيير يبدأ من الآن وليس إلى الغد والتي سأسردها على شكل عوارض ومراحل مسترسل وهي: 1- تحديد الهدف المنشود من هذا التغيير مجيبا على تساؤلات أهمها لماذا وكيف ومتى. 2- تقييم الذات ” التعرف على الإمكانيات والقدرات ونقاط الضعف…”. 3- اختيار الصحبة والصداقة الإيجابية ” المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخَالل”. 4- اختيار القدوة الحسنة، والقراءة المستمرة ” من الآن إلى خمسة سنوات أنت كما أنت إلا بكتاب قرأته فغير أفكارك أو بشخص التقيته فغير طريقة تفكيرك”. 5- التدريب والتعلم ومحاكات الواقع ” تطوير القدرات وتفعيلها الدائم”. 6- المبادرة والجرأة والعمل «كثرة العمل وقلة الكلام أو على الأقل العمل والكلام على قدم المساوات” كما جاء في أحد الأمثل الشعبية المغربية “قد فمك قد دراعك”.
هي تبقى فقط مقترحات يمكن أن نصيب فيها ويمكن أن نخطأ المهم هو الاجتهاد وأن نثير مجموعة ليست بالهينة من المواضيع العملية التي يتغاضى عنها المجتمع في كل أو جل حواراته ونقاشاته اليومية. إن التغيير يبقى ملازما للإنسان منذ النشأة إلى الممات وبالتالي فالتغيير بحد ذاته يلزمه تغيير، إذن التغيير هو فرض على كل شخص لشخصه وجماعته ومجتمعه ووطنه، بغية تطويره، أي أنه قبل المطالبة بتغيير المجتمع يجب تغيير ذاتك، وقبل العمل على تغيير الآخر غير نفسك، هي تبقى فقط إطلالة لإثارة الأمر بغيت الجلوس مع الذات و مصاحبتها و عمل تقييم لما مضى من الأيام و الاستعداد للقادم برسم أهداف متنوعة من شأنها تحسين ظروف الأنسان أو على الأقل القدرة على وضع ملامح لنجاحنا مستقبلا مبنيــــة على مبادئ الفرد و الجماعة و أخلاقه و قدراته.
الكاتب: عبد الاله رشقي


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE