الجسد ووهمية الحرية…


خالد الشادلي

باحث في الشؤون الفلسفية

منذ ظهور التفكير الفلسفي على الأراضي اليونانية، وهو يفرز مجموعة من المفكرين والفلاسفة إلى حدود ما يعرف في تاريخ الفكر؛ “ما بعد الحداثة “،وخلال هذه الفترة صعد  في سماء الفكر الفلسفي، فيلسوفا فرنسيا فريدا اسمه مشيال فوكو. 

إذ يعتبر مخالفا لباقي الفلاسفة في مقاربته لأفكار فلسفية،بل أعتمد في ذلك على الحفر في ثنايا المفاهيم من حيث الاصل(لأركيولوجي.وعرف  عنه كذلك  انه لا يعمل على استعادة الأفكار الفلسفية السابقة على وجوده، وان كان  فوكو استلهم أفكاره من نيتشه و هيدغر.

وعند قراءة بعض من كتبه:  “كتاب تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي” ،الكلمات والأشياء ،”المراقبة والمعاقبة:ولادة السجن”…ستكتشف التميز الذي تفرد به في طرح الجزئيات المنسيات في تاريخ الفلسفة.ليس من السهل الانتباه إلى “الجنون “،”العذاب والتهذيب” ،”العقوبة الانضباطية “،”السجن “…

فهذه العبارات لم يعهدها الفكر الفلسفي من قبل.فجميع كتب فوكو تتميز بالصور المشهدية على الطريقة المسرحية أو السينمائية ؛بمعنى انه أدخل الصور الفنية ذات البعد الجمالي الى الفكر الفلسفي،كما فعل من قبل نيتشه في كتابه “هكذا تكلم زراديشت”.

لم يكن اختيارنا لكتاب المراقبة والمعاقبة:ولادة السجن اختيارا عبثيا، ولكن جاء نتيجة لقيمة الكتاب من ناحية الموضوع المتناول بطريقة لا تخلو من جمالية الصور، وان كانت هذه الصور لمشهد تراجيدي خاصة في القسم الأول من الكتاب.

ومن جهة أخرى ولأول مرة يتضمن كتاب ذا حمولة فلسفية رسومات تشكيلية توثق لبعض المشاهد السلطوية الجائرة في حق الإنسانية،وان كانت تأتي في إطار ما يصطلح عليها السلطة الانضباطية،ومن جهة ثالثة الكتاب يعطي نبذة عن تطور العقوبة والانتقال من العقوبة الجلية إلى العقوبة الخفية،ولكن خفايا العقوبة بقيت قائمة،فقط أصبحت أكثر نعومة على حد قول فوكو.وهكذا أخد فوكو على عاتقه حمل هموم الإنسانية والغوص في الواقع المرير، والوقوف على الجزئيات المسكوت عنها لسبب من الأسباب.

في القسم الأول”التعذيب”، بدأ فوكو التصوير لمشاهد تراجيدية حية وواقعية على خلاف المشاهد السينمائية التي تكون فيها المشاهد مزيفة،ومطابقة للواقع فقط. لكن في كتاب “المراقبة والمعاقبة:ولادة السجن”، أننا  أمام مشهد درامي حقيقي مصور بدقة على الطريقة اللقطة “البانورامية”،بالإضافة إلى تقنية “الترافلينغ”،(لغة سينمائية).

وهذا الحادث المشهدي المؤلم واللانساني وقع في القرن الثامن عشر(1757)، والمتعلق بتنفيذ عقوبة الإعدام في حق “داميان” المتهم بتهمة قتل أبيه.رغم أن هذا المشهد  مكتوب وليس مرئي، لكن القارئ يتمتع بهذا المشهد عبر ملكة البصر وليس عبر ملكة الذهن،وان كان في الحقيقة هذا التمتع مفعم بالألم جراء فظاعة المشهد الذي يصور كيف للجسد أن يصبح محط ألم وتعذيب أمام الملأ،و نحن هنا أمام عذاب لمجموعة من الأجساد:جسد المتهم،وجسد الجلاد، جسد المتفرجين،جسد الخيول …

يعني أمام مشهد مرعب حقيقي،لان عذاب “داميان” هو رعب للآخرين وعبرة في نفس الوقت؛بمعنى أنه سلطة انضباطية للمتفرج،وسلطة عقابية للمتهم.”حيث يجب أن يسحب ويقاد في عربة عاريًا إلا من قميص يستره، حاملاً مشعلاً من الشمع الملتهب، وزنه قرابة الكيلوغرام.

ثم وفي العربة نفسها، عند ساحة غريف، وفوق منصة الإعدام التي ستنصب هناك، يجري قرصه بالقارصة في حلمتيه وذراعيه، وركبته وشحمات فخذيه، على أن يحمل في يده اليمنى السكين التي بها ارتكب الجريمة المذكورة، جريمة قتل أبيه. ثم تحرق يده بنار الكبريت. وفوق المواضع التي قرص فيها يوضع رصاص مذوب، وزيت محمى، وقار صمغي حارق، وشمع وكبريت ممزوجان معًا، وبعدها يمزق جسده ويقطع بواسطة أربعة أحصنة، ثم تتلف أوصاله وجسده بالنار، حتى تتحول إلى رماد يذرى في الهواء” .

   وهكذا استطاع فوكو أن يبرز فلسفتي الجسد والسلطة ضمن فلسفات الفكر في قالب فني وكأننا أمام مشهد درامي مرعب نشاهده لحظة القراءة. وعلى غرار القسم الأول  اتبع في باقي أقسام الكتاب  نفس المنوال  من التفحص والتشخيص والوقوف على كيف انتقل العقاب من عقاب جسدي مباشر إلى عقاب جسدي غير مباشر،وهنا أصبح العقاب أكثر نعومة تماشيا مع العصرالحديث والمعاصر؟؟؟.

واختتم كتابه  بذكر كيف انتقل العقاب أمام الملأ إلى مؤسسة عقابية انضباطية بنظام صارم تسمى السجن،وهنا سنقف على مجموعة من المتدخلين في هذه العملية تحت ذريعة توزيع الوظائف وهنا نجد المراقب،طبيب نفساني… وكل هذا في خدمة تقويم الجسد من الاعوجاج الذي أصابه وجعله خارج عن القيم وأخلاق المجتمع.

هل السجن هو الحل الامثل في تهذيب الجسد والنفس على حد سواء؟.

المرجع الرئيسي: كتاب المراقبة و المعاقبة: ولادة السجن لمشيال فوكو(فيلسوف وباحث فرنسي).

 


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE