قصة: زميل زوجتي


 كان لزوجتي زميل، وسيم جميل، وجهه حليق، وقدّه رشيق… لم تحمّله الأيام همومها، ولم تلبسه المسؤولية لبوسها، ولم ترسم على وجهه الديون خطوطها، فليس لديه زوجة ولا أبناء، وليس لديه فواتير أو كراء، غير سيارته الرياضية، وبدلاته الإيطالية، وكريماته الفرنسية، وهو فوق هذا معسول الكلام، مرتب الهندام، كثير الترنم بالأنغام، الدنيا عليه مقبلة كإقبال عضلات صدره، وملامح الذكاء فيه بارزة كبروز فتلات عضده، مكتبه مقابل مكتب زوجتي، ووجه سائر اليوم في وجه حبيبتي، وهو سبب مصيبتي ونكبتي …

فمنذ أن توظف معها قبل عام، قلّ منها الكلام، وكثر منها التذمّر والخصام، خصوصا حين يحكي لها عن خليلته، وكيف تلقت حبيبته هديته، ونوع المطعم الذي قضى فيه معها ليلته، ولأنه لصيقها في المكتب، فلا شك أنها ستظهر له التفهم والتعجب، خصوصا أنها لا تريد أن تبدو أمام الزملاء معقدة، فتصير وظيفتها مهددة، وطريقها في العمل غير معبدة، فهو الموظف المرموق، ولدى المدير مرغوب ومعشوق، وهكذا يبدأ صاحبنا يومه الجميل، ويدخل مكتبها يسبقه عطره الأصيل، وصوته الذي يشبه الصهيل، ثم تعود زوجتي إلى البيت، فتجدني أنا المسكين بلا ورد ولا قصص ولا مطعم ولا غرام، بعد يوم طويل في السوق والحانوت والزحام، يوم مليء بالكد والجري والصراخ والخصام، فأنظر في عينيها فإذا هي تنظر إليّ بغير الوجه المألوف، وفي عينيها من الأسئلة ألوف وألوف…

ومرت الأيام والسنون، وبلغت بهما الزمالة حد الثمالة، ووصلت العَلاقة حد العُلاقة، وصار يشكو لها همومه وهيامه، وأنها قد أخذت من قلبه وعقله مكانة، فلم يجد في النساء كمثل أدبها وعقلها، وهينئا لهذا البعل بها، مع أنه لا يعاملها كما ينبغي له أن يعاملها، وأنه لو كان عنده مثلها أو ربعها، لفرش لها الأرض بساطا، والسماء فسطاطا، ولكنها الأقدار التي تعطي الفول من ليس له أضراس، وتهب الجمال من ليس له إحساس … وصار الشيطان يعمل على الحبلين، ويشتغل في المهمتين، يربط هنا ويحل هناك، يزين لها هذا ويذم لها ذاك، يقارن لها بين البعل والزميل، وبين الوجه الرصين الجاد، والوجه المبتسم الجميل، حتى صارت تقول في خلوتها، حين تجول بها فكرتها، لم استعجلت في الزواج، ولم تورطت مع هذا الحاج، خصوصا حين يلجّ بينهما اللجاج، ويرتفع في البيت العجاج، طبيعةً كل حياة أسرية وتقلباتها ، وكل علاقة بشرية ومطباتها، فيظهر الزميل حينذاك بمظهر المشفق الحنون، ويلعن الحظ والأيام والسنون، ويهوّن عليها ما تجده من ذلك المأفون، ويحلف لها بالأيمان، أن هذا الدب لا يعرف الحب والحنان، وحين تنفرط من عينيها العسلتين الدموع، يُظهر التبتل والخشوع، وربما مد يده مستغلا اللحظة المواتية، لابسا قناع الموقف والإنسانية، ليضمها إلى صدره باحترام، ويتمم المشهد المألوف لدى الجميع في المسلسلات والأفلام، ظاهرا بمظهر الرجل النبيل، بينما هو في داخله ذئب يواسي نعجة لا حامي لها…

وهكذا اتخذت المسكينة قرارها، وحزمت من الدار أمتعتها وأغراضها، وغادرت بيت البعولية، لتحظى بالعيشة الهنية، وتذوق طعم الحرية، وبقي صاحبنا بشقة فارغة، وفاه فاغرة، لا يدري من أين أصيب، وبقي يقول: غريب وعجيب، في حين وقف الزميل معها في المحنة وقفة الرجال، وصار يأتي البيت ليطمئن على الصحة والحال، وحين عادت إلى مكتبها، ووقعت عينه في عينها، لم يكن شيء ثمة مخفيا، فقد بلغا من الحب عتيا، وهكذا حتى استجابت معه لدواعي الوفاء، ولوازم الحب ومذهبات العناء، ثم فوجئت بعد أن ذاق العسيلة وقضى النحب، أنه لم يعد يتحدث عن قصة الزواج عن حب، ولا عن الرزانة والعقل والأدب، واكتشفت أن كل ذلك قد ذهب، فكل حديثه عن اللقاء وحلاوته، وعن ماذا سيفعل بها في خلوته، وحين واجهته بالسؤال متى تأتي إلى البيت، أخبرها زميلها المحبوب، أنه حصل على عمل آخر وسينتقل إليه عن قريب، وطبعا غير صاحبنا هاتفه، وراح يمارس مهنة الزميل في مكتبه الجديد، هل فهمت قصتي أيها البعل البليد، البارد الجليد؟

القصة من إبداع سوفيان شملال


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE