الاستمرارية ثقافة منسية في مجتمعاتنا


الكاتب : عبد الاله رشقي

 إن الاستمرارية تعتبر أهم طريق نحو تحقيق الإنجازات بالإضافة الى الحفاظ على المكتسبات، ومن أهم الميزات التي من المفترض أن يتميز بها الأفراد والمؤسسات سواء الحكومية أو الغير حكومية والتي لا تعتمد على شخص معين بغية الإنجاز أو إتمام مشاريع معينة أو غيرها من الاستحقاقات التي تحتاج إلى الاستمرارية في العمل والاشتغال، وهذا يتجلى بشكل واضح في القطاع العمومي بشكل خاص وخصوصا على مستوى مؤسسات الدول ذات طابع العمل الدوري و المثمثلة غالبا في الجماعات الترابية منها الحضرية أو القروية و حتى مجالس الأقاليم و مجالس الجهات بالإضافة إلى المؤسسات الوزارية و غيرها من المؤسسات الأخرى ، حيث تعاقب الأفراد على هذه المؤسسات كافي لنلاحظ أهمية مبدأ الاستمرارية و وجوده من عدمه، و بالتالي وجب طرح مجموعة من الإسالة من أهمها هل لنا في مجتمعاتنا ثقافة الاستمرارية و إتمام ما بدأ به الأخر؟ و ماهي أهم الإيجابيات والسلبيات التي يخلفها الإيمان بمبدأ الاستمرارية من عدم الإيمان به؟ وهل زرعنا في أبنائنا وأجيالنا الصاعدة القدرة على تقبل أعمال الأخرين وإتمام ما بدأه سلفهم في ذات المنصب أو الوظيف أو في بحث معين أو غيرها من الأمور التي تتطلب و ترتكز على مبدأ الاستمرارية؟ في بداية الأمر سأنطلق بمثالين أحدهما مثل عربي تداوله العرب قديما وهو «كلما نهجت نفس الطريق وبنفس الكيفية ستحصد دوما نفس النتيجة” أما المثل الثاني فهو يتعلق بالأمثال الشعبية المغربية “سال المجربة لا تسال الطبيب”، المثل الأول يعبر على أن هناك ضرورة لتغيير النهج و المنهج أحيانا لحصد نتائج و خصوصا الإيجابية منها و بالتالي سنرى أن استغلال إنجازات و إخفاقات أسلافنا أو من سبقوا في المناصب ضرورة حتمية بغية الاستفادة سواء للنجاح أو تجنب ما فشلوا فيه سواء في طريقة التسيير أو التعاطي مع الأمور ، أو على الأقل إتمام ما بدأوا به و عجزوا عن إتمامه لسبب معين سواء كان اختياري أو بسبب قهري، و هذا أيضا يتوضح جليا في المثل الشعبي المغربي الثاني و الذي بدوره يؤكد على ضرورة الحفاظ على مكتسبات الأخرين و العمل بها بمقارنتها مع أهل التخصص علما أنها نسبيا غير صحيح لضرورة الاستعانة بأهل التخصص، من خلال ما سبق في و بالاعتماد على ما قدم في الماضي البعيد و حتى القريب. إن ما أصبح يميز مجتمعنا اليوم –أكيد أنا لا أعمم-هو انعدام الاستمرارية في جملة كبيرة من المواضيع وأهمها في المناصب التي تفرض على ممتهنيها بسبب ما ينص عليه القوانين كالمناصب ذات الطابع الدوري حيث ما هو ملاحظ دون ريب أن الطابع الذي يطغى هو القطيعة مع الماضي وبناء صفحة جديدة فارغة دون ماضي، و دون الاستفادة مما سبق أو إتمام المشاريع التي هي قيد الإنجاز أو المحافظة على ما سبق إنجازه من المشاريع، و للتأكد مما قيل سلفا يكفي أن تقوم بزيارة للجماعات الترابية القروية منها و الحضـرية و كدى مجالس الأقاليم و الجهات و تتجول في دهاليزها سترى كم من المشاريع من تمت إعادة هيكلتها بداعي عدم صلاحياتها وفقا للحسابات السياسية الضيقة، أو بسبب عدم جودتها أو من أجل فسح المجال أمام طلب عروض جديدة تملأ جيوب طالبها و بالتالي تصبح موردا لمن يريد الاستغناء و جني المال، و لنا أيضا في وزارة التربيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة الوطنيـــــــــــة و التكوين المهني و البحث العلمي خير مثال في ذلك، فكل وزير يأتي يقبر مشروع سلفــــه و يبخصه رغم استنزافه للملايين من الدراهيم و الطاقات دون تقييم و محاسبة، أو على الأقل من أجل التقييم الذي سيعود بالنفع على الجميع و بالتالي يكون هناك تقويم له، هذه أمثلة صغيرة وسط بحر كبير من الأمثل التي لن يكفينا كتاب أو مجلد كامل لسردها أسبابها و تحليل حيثياتها مجتمعة و أي ثقافة تلك التي غيبت شق الإيمان بإنجازات الآخرين و إخفاقاتهم و الحفاظ على استمرارية المستوى و عدم ربطها بشخص معين بل يكون الارتباط و التعاقد العرفي مؤسساتي أكثر منه شخصاني. إن غياب ثقافة الاستمرارية والاعتماد على مكتسبات الماضي سواء التي أنجزها الأفراد أو التي منحتها لنا الطبيعة بشكل تلقائي راجع بالأساس إلى الثقافة المورًثة لنا منذ الصغر فكثيرا ما سمعنا من أساتذتنا مصطلحات من قبيل ” نسى كلشي داكشي لكتعرف من قبل” و التي تعني أن تنسى ما علمه لك من سبقوهم و بالتالي طمس مرحل أو فترة من ماضيك، و يعتبر البيت و المدرسة و الشارع من أهم الأسباب التي ترسخ انشلاخ و ابتعاد المجتمع عن مبدأ الاستمرارية و إتمام ما فعله من سبقونا سواء من علم أو مشاريع أو غيرها من الانسياقات التي سبقت وجودنا أو تقلدنا لمهمة ما.

ان أهمية مبدأ الاستمرارية سواء في العمل أو في باقي المضامين يتضح جليا في جملة من الدول ذات الطابع الاجتهادي البعيد كل البعد عن الفردانية في العمل و الاشتغال، حيث تجد أن أساس الاشتغال ينبني على تهيئ الأمور و توضيحها لم سيأتي بعدك كيفما كان الهدف و المجال و الطريقة و النهج و حتى ان كان هناك الاختلاف في المبادئ و الايديولوجيات، بوضع أسس مختلف أهمها معايير مشتركة في العمل واضحة المعالم و التوجهات لاتخضع لأحد أبدا، بالإضافة الى الوضوح في الاشتغال و خلق أرشفة ورقية لكل شيء من طرف الأول من أجل الثاني و غيرها من السبل التي تعتبر مساعدة الى حد ما. في ختام المقال سأوجه رسالة الى مجموعة من الناس أولهم الى السادة الساسة و أهل السياسة إن المراد من وجودكم ليس إظهار عيوب من سبقوكم بل محاولة الاستمرارية في ما نجحوا فيه و تصحيح ما أخطأ فيه الاخرون فان الكمال لله عزوجل، ثانيهم الى من يعنون و يوظفون في المؤسسات العمومية أو الشبه العمومية أو حتى الخاصة ان خدمتكم لا تنتهي بانتهائكم بل هي تبدأ عند نهاية وظيفتكم و القيام بتسليم وظيفتكم لغيركم فكل ميسر لما خلق، أما أخر من أوجه له الرسالة هو المجتمع ككل “كل من عليها فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الاكرام” تمعنوا في الاية الكريم ستجدون ما أقصده جليا و ثقفوا و رسخوا مبدأ الاستمرارية لجيل بعد جيل مبني على مبادئ الاعتراف بما قدمه الاخر قبلنا و تصحيح ما أخطأ فيه، بل الأكثر من هذا الاستفادة من انجازاتهم و فشلهم بغية تحقيق الكمال و النجاح كفرد أو كمجتمع ” كن رجلا إذا مروا من بعده قالوا مرً من هنا و هذا الأثر”.

 


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE