عندما تتحالف قسوة الطبيعة والإنسان في قتل روعة جمالية مكان ، مدينة ميدلت نموذجا…


رحيوي مراد
عندما تبحث في الشبكة العنكبوتية عن مدينة ميدلت تنبهر بما كتب في مدح جمال معشوقة الأطلس التي لقبت ب«باريس الصغيرة»، المشهورة بجودة تفاحها العالية ، و التي مكنته من أن يكون خير سفير للمدينة في المغرب والخارج على حد سواء، بالإضافة إلى تموقعها بين مدينتي مكناس والراشيدية في ملتقى الأطلس المتوسط ونظيره الكبير على علو عن سطح البحر يناهز 1500 متر عند سفح جبل العياشي الذي تعد قمته من أعلى القمم في المغرب ، ثرواتها الطبيعية والمعدنية موطن منجم ميبلادن الغني بأنواع متعددة من الأحجار الكريمة رغم تراجع أهميتها في السنوات الأخيرة إلا أنها تظل ثروة طبيعية ، كل ما كتب عن باريس الصغيرة من مميزات إلا أنه لم يستطع تغيير الواقع المرير لمدينة منكوبة في المغرب العميق والمنسي نتيجة قلة الإمكانيات وقسوة المناخ في تجسيد تام لتحالف قوي بين قسوة الطبيعة والإنسان من أجل قتل روعة جمالية مكان .
تعيش ساكنة ميدلت كلما حل فصل الشتاء معاناة حقيقية نتيجة تساقط الثلوج وحاجتها إلى حطب التدفئة الذي يثقل كاهل الأسر ويزيد من فقرها ومعاناتها لشهور نتيجة العزلة التي تسببت في موت مجموعة من المواطنين جوعا في أعالي الجبال بالقرى والدواوير المهمشة التي تنتظر بفارغ الصبر بعض المساعدات المحتشمة لسد الجوع والعطش في غياب تام لظروف العيش الكريم ، هذا الواقع المرير للساكنة الفقيرة في تزايد مستمر بفعل التقلبات المناخية التي انعكست على نسبة الثلوج المتساقطة ، إذ عرفت ارتفاعا كبيرا مؤخرا بالإضافة الى تسجيل بعض القرى المجاورة لميدلت والتابعة لمدينة ميسور من قبيل لقصابي ، سعيدة ، تاوريرت .. في حالة استثنائية تساقط كميات من الثلوج التي حولت حياة المواطنين الى جحيم بفعل انقطاع الكهرباء ، والعزلة التامة التي عاشتها الساكنة دون الحديث عن الخوف والذعر الذي يخيم على المواطنين مخافة سقوط المنازل الطينية فوق رؤوسهم ، ناهيك عن الوفيات العديدة التي تسجل في صفوف الشيوخ والأطفال بسبب البرد القارس الذي يجتاح لأول مرة مناطق عديدة من المغرب ، الامر الذي يستدعي التعامل بمسؤولية مع المستجدات المناخية لكي لا يضاف ضحايا التساقطات الثلجية الى غيرهم من الفقراء الذين يموتون بالفواجع الإنسانية .
رغم قسوة المناخ وانعدام الحكامة المجالية واستنزاف خيرات المدينة من طرف لوبي يمص دم الفقراء في ضيعات فلاحية لجني المحصول الفلاحي بأثمنة زهيدة ، إلا أن ما يميز مدينة ميدلت هو روعة الجمالية التي تتجسد في بساطة وضيافة أهل ميدلت ، ومناظرها الخلابة ، وتحمل سكانها لقسوة الظروف في غياب لأدنى شروط العيش الكريم ،براءة عيون الأطفال الجميلة بلعبهم البسيطة المصنوعة يدويا ، شوارعها المتواضعة والآمنة جعلت منها محج لفقراء ومساكين القرى المجاورة التي تعتز بانتمائها الى مدينة تحدث التاريخ عنها بأنها هي الأولى التي عرفت النور ’’ الكهرباء ’’ لاحتوائها على مناجم الفحم ومعادن أخرى جعلت المستعمر يبادر بإدخال الكهرباء إليها ، كما أنها الثانية بعد العاصمة الاقتصادية التي شيدت بها السكة الحديدية ، مدينة ماضيها حافل وغني بالقصص التي تحكي عن الفترة الاستعمارية الفرنسية وفرص العمل الكبيرة التي ميزت المرحلة ، قصص عن الحداثة والتعايش والتسامح الذي كان بين اليهود والمسلمين ، والذي جسد على ارض ميدلت قبل بروز القضية الفلسطينية والصراع الإسرائيلي ، ما حكاه الأجداد عن اليهود يختلف كثيرا عن ما نراه اليوم لكن ليس بالغريب أن نسمع عن شيم وأخلاق ’’ ناس ميدلت ’’ لأن بساطتهم ورؤيتهم البسيطة للحياة جعلت منهم نموذجا حيا في تقبل الأخر والتعايش مع جميع الأديان في احترام تام للحريات الفردية للأشخاص ومعتقداتهم الدينية .
لا يختلف اثنان في روعة مدينة ميدلت ، ومميزاتها السياحية القادرة على جذب مزيد من السياح من كل مناطق المغرب وأوروبا ، إذا ما تم تسويق منتوجها السياحي الغني والمتنوع ، حيث تعد منطقة مواتية لعشاق السياحة الجبلية في ظل توفرها على عدد من المواقع السياحية المختلفة أبرزها جعفر بالإضافة إلى مواقع أخرى أقل شهرة من قبيل أيت بن عزو وعين زريويلة وسيدي سعيد ، إلا أنه خلف هاته الصورة الجميلة التي يحملها الكثيرون في أدهانهم عن مدينة ميدلت ، هناك شبح مخيف اسمه الموت البطيء لطاقات شابة بسبب غياب فرص العمل والاستغلال الذي بلغ أوجه بتوظيف النساء في جمع النفايات والثلوج ، ناهيك عن العطش الذي عاشته المدينة في الصيف الماضي ، وها هو البرد القارس يسرق منا أربعة أشخاص بتونفيت وينخر عظام الباقي ويتسبب لهم في أمراض مزمنة غالبا يكون مآل أصحابها الموت على أبواب المستشفيات المغربية ، الوجه الأخر لمدينة ميدلت يخفي في طياته معاناة حقيقية ويجسد حيفا كبيرا تحالفت فيه قسوة الطبيعة وغياب الحس الإنساني والمسؤولية لدى القائمين على تسيير شؤون البلاد والشأن المحلي للساكنة التي تستغل براءتها بدعوى السهر على تحقيق المصلحة العامة للمدينة رغم أنهم في الواقع لا يحققون سوى مصالحهم الخاصة بالاغتناء عبر نهب المشاريع الموجة لمحاربة الفقر والمساعدات الإنسانية التي تخصص لمحاربة التقلبات المناخية والتي كان أحرى توجيهها إلى الفقراء بميدلت وازرو والحاجب وغيرها من المناطق المنسية والمنكوبة في ظل تكتم إعلامي عن الجانب المظلم من مغرب اللاعدالة والحيف الاجتماعي .. .


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE