عبد المجيد سباطة شاب مغربي مزَج بين التخصص العلمي والأدب ليجد نفسه بين أحضان الرواية


سافر من الهندسة المدنية إلى الأدب، بعد تجربة القراءة والتهام عدد كبير من الكتب الفكرية والروايات، هو شاب مغربي بدأت قصته مع الكتابة حين بدأت حكايته مع القراءة، عبد المجيد سباطة كاتب ومقدم سلسة تدوينات أسبوعية على منصة مدونات الجزيرة يتناول فيها مواضيع أدبية وثقافية وتاريخية.
في هذا الحوار، نكتشف أسرار اختيار الكاتب جنس الرواية ليسبر أغوار الإنسان في الزمان والمكان.
1 هناك اتجاه قوي في الرواية نحو معالجة كل التيمات المرتبطة بالهوية والذاكرة والتاريخ، هل يجدُ عبد المجيد سباطة نفسه في هذا النسق الأدبي؟
يمكن القول أن كل رواية تُكتب فإنها تناقش في جوهرها تيمات الهوية والذاكرة والتاريخ، وإن اختلفت الطريقة من رواية لأخرى، طبيعي أن أوجه رسالة قلمي بالدرجة الأولى إلى الإنسان، وبما أن المسألة هنا تتعلق بمخلوق تستحيل الإحاطة بأسراره في عمل أدبي واحد، فإن القول بأن عبد المجيد سباطة يجد نفسه في هذا النسق الأدبي لا يختلف كثيرا عن التصريح بأن عبد المجيد سباطة كرس مشروعه الأدبي للإنسان، أولا وأخيرا.
2 هناك أصوات قريبة من الأدب تطالب الرواية بتقديم المعرفة، لينخرط الكاتب بدوره في القضايا الملحة، وفي روايتك الأخيرة ساعة الصفر جعلت القارئ يسافر معك لأماكن متعددة ومنها سراييفو أو كما سميتها “قدس أوروبا”، هل البوسنة والهرسك حاضرة دائما في وجدان عبد المجيد؟
اشتغالي على رواية ساعة الصفر جعلها حاضرة في وجداني بالفعل، وبدأ هذا الارتباط منذ أول يوم اطلعت فيه على بعض التفاصيل المتعلقة بهذا البلد، والتي دفعتني للتفكير في مشروع كتابة الرواية، وبما أن البحث والتوثيق لوحدهما استغرقا ما يقارب السنة بكاملها، بأيامها ولياليها، فمن الطبيعي أن أحيط بالموضوع من جوانب عدة، تاريخية وجغرافية وسياسية وعسكرية وثقافية، جعلتني متحمسا للاستزادة أكثر، خاصة أن الحضور الوجداني لا يجعل البوسنة في ذهني حبيسة الماضي الذي تتناول الرواية أحداثه، بل تتفاعل مع الحاضر الذي أصر التاريخ على تكرار نفسه فيه، من البوسنة إلى أفغانستان مرورا بالعراق وسوريا واليمن وهلم جرا، فكان لا بد للكاتب من التدخل، لعل الكلمات الواردة على لسان أبطاله تساهم في تحقيق المعادلة الصعبة بضبط بوصلة الحاضر لتغيير دفة المستقبل.
3 “الكتابة هي فعل المقاومة” الوحيد كما يقول الكاتب المغربي عبد الكريم الجويطي، واعتبرتَها في روايتك ساعة الصفر بأنها “خير دواء لمن أرهقهم داء اسمه الحياة”، هل هناك علاقة بين الإبداع الأدبي والمعاناة؟
نعم، داء الحياة مرهق، وقد لا تجد شريحة معينة من البشر ما تقاوم به هذه المرارة سوى بالكتابة. يلزم كل عمل عظيم بذل الجهد والتعب والانشغال به،ثم التفاني في خدمته والسهرعليه والتعايش النفسي والبدني معه كي يكتمل، مقولة أن الإبداع يولد من رحم المعاناة، قد تكون مشهورة، لكنها على شهرتها غير دقيقة، فالإبداع منحة ربانية يمنحها الله لمن يملك تلك القدرة على الاستقبال والتأثر، ثم التفاعل مع تلك المنحة التي نسميها إجمالا بالموهبة، ومتى ما اجتمعت الموهبة والجهد الدؤوب، كان الإبداع في أفضل تجلياته.
4 مسارك الأدبي بدأ مع رواية جدار العشق ثم أخيرا ساعة الصفر، عناوين قريبة من الإنسان في ارتباطه بالزمن ويحضر فيها الكاتب بقوة، لماذا اختيار جنس الرواية ولماذا لا يفارقك الإنسان في كتاباتك؟
لكل مبدع طريقته الخاصة في التعبير عما يعتمل في صدره من مشاعر وأحاسيس، أنا أقرأ كل الأجناس الأدبية، من شعر وقصة ورواية وغيرها، ولكنني وجدت نفسي في الرواية، التي أظنها الوحيدة القادرة على استيعاب ذلك الكم الهائل من الأفكار التي أود التعبير عنه، فيما يخص علاقتي بالإنسان فلعلني أجبت عن هذه الجزئية في سؤال سابق، أحاول وضع اللبنات الأولى لمشروع أدبي خاص بي، يخاطب فيه الإنسان المغربي العالم، وهو ما يعني هنا توفر أضلاع رئيسية في المثلث، هي الإنسان بالدرجة الأولى، ثم المغرب، فالعالم…
5 إلى أي حد يمكن القول بأن الكاتب الذي يتعاطى الرواية هو في الأصل مسكون بقلق التيه وطرح السؤال بحثا عن الحقيقة؟ يقول الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ بأن الحقيقة بحث وليست وصولا، في رواية ساعة الصفر استمر بحث الراوي المجهول عن الحقيقة طويلا، تائها مسكونا بماضيه، خائفا من مستقبله، عاجزا عن خوض غمار حاضره، ووصلت الرواية إلى منتهاها (لأننا لا نعرف مصيره الحقيقي حتى الآن) وهو قادر بالكاد على الإجابة عن سؤال هويته من أنا ؟ بالقول أنه إنسان، مجرد إنسان لا أقل ولا أكثر، خلق ليترك أثرا في هذه الدنيا، لا يجبر الآخرين على تقفي أثره، هل هذه إجابة مقتضبة لا تفسر شيئا ؟ أم أنها تختزل في مضمونها كل شيء ؟ هذا ما سيختلف فهمه من قارئ لآخر.
6 ما رأيك في الشباب الذين وجهوا أعمالهم الأدبية نحو الرواية، هل الرواية قادرة اليوم على نشر المعرفة التاريخية والفكرية والعلمية؟
يعرف المشهد الأدبي حراكا لا يمكن إغفاله، عدد كبير من الشباب المبدع تحدوا القيود التي فرضها بعض من يعتقدون أنهم “أوصياء” على الشأن الثقافي المغربي، ونشر هؤلاء الشباب رواياتهم، سواء داخل المغرب أو خارجه (وهذا موضوع آخر) وهي حركية لا يمكن إلا استحسانها في ظل الظروف المزرية التي يعيشها هذا الجيل المحاصر بالبطالة والفقر وضيق الأفق، تبقى مسألة تقييم هذه الأعمال الأدبية رهينة بوجود حراك نقدي مواز يساهم في تطوير هذه الرواية وتحسين جودتها أكثر، حتى لا تدخل الرواية المغربية مرحلة الاستسهال، وأن يصبح فعل الكتابة بحد ذاته إنجازا غير مسبوق.
هناك اتجاه فعلي إلى اعتبار الرواية موسوعة العصر الحديث، ويرجع ذلك إلى المرونة التي يتميز بها هذا الجنس الأدبي القادر على استيعاب كل الأجناس الأخرى، فبإمكانك مثلا أن تجد داخل الرواية رسالة وقصة وقصيدة ومخطوطة تاريخية ومقالة صحفية وأخرى علمية إلخ، لكنني أرفض اعتبار الرواية مرجعا، كما هو الشأن بالنسبة للرواية التاريخية مثلا، إذ لا يمكن اعتبار ما ورد فيها مصدرا موثوقا، بل منطلقا يدفع القارئ للبحث والتنقيب أكثر في تلك الفترة التاريخية عبر المراجع المتخصصة.

حاورته آسية العمراني: صحافية متدربة

مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE