مواجهة الغلاء بالاستغناء…


بقلم فؤاد قليعي:
ثقافة المقاطعة هي أسلوب حضاري تتبنّاه الشعوب – المتحضّرة – في أغلب الدول الديمقراطيّة ،،، وهي سلوك رقابي شعبي و ردّة فعل شرعيّة تُقْدم عليها و تمارسها شريحة كبرى من المستهلكين كلّما دعت الحاجة إلى ذلك ،،، ثقافة المقاطعة تعني أنّ هذه الشريحة الإستهلاكيّة كلّما أدركت أنّ هناك شططا في أسعار أيٍّ من موادّها المعيشيّة اليوميّة أو ما يماثلها أهميّة و رأت في هذا الشطط مبالغة و جشعا من التجّار أو المموّلين و المزوّدين لا مبرّر له إلاّ و – أمسكت – و امتنعت عن طلب تلك المادّة في تضامن شعبيّ واسع حتّى يفيء التجّار أو المموّلون و من شاركهم في ذات الفعل إلى الصّواب فيراعوا الطاقة الشرائيّة لمواطنيهم و ينزلوا بالأسعار إلى المتناول العامّ و الى القدْر المعقول ….
 
و كما أسلفنا القول أنّ هذه المقاطعات حدثت و تحدث في كثير من الدّول و قد أعطت ثمارها ، بل زادت أنّ المنتجين و التجّار قاموا بالإعتذار للمستهلكين و أنزلوا الأسعار إلى أقلّ مما كانت عليه قبل الزيادة .
أمّا آلية المقاطعة و بما أنّها سلوك و ثقافة حضاريّة فإنّها تبدأ بوعي الفرد ( المواطن ) و إدراكه و كذلك التزامه الشخصي ثمّ تمتدّ إلى غيره بدون ضوضاء و لا جمهرة فقط بانتقال المعلومة على شكل حملات توعويّة إعلاميّة عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي مثلا .
و نحن في بلادنا ما أحوجنا إلى ثقافة المقاطعة ، ما أحوجنا إلى تجسيدها أمام هذا الكمّ الهائل و المتعاظم من الغلاء في حاجيّات – قفّة – العيش فضلا عن الغلاء في كثير من الكماليّات التي دخلت في حكم الضرورات لطبيعة نسق تطوّر الحياة ، ما أحوجنا إلى مقاطعة بضائع أثقلت كاهلنا و تسبّبت له في إرهاق مادّي و تداين و اقتراض ، فجلّ أسعار الموادّ الإستهلاكيّة انخرطت في موجات تصاعديّة و في تواتر محموم ، المقاطعة أمام هذا الغلاء و عجز الحكومة عن إيجاد طرق لتعديل الأسعار أو حتّى تطويقها ، فالمقاطعة هي السبيل الأنجع و هي كذلك تأصيل لحقوق المُواطنَة وآلية حضاريّة لتحقيقها.
فالمستهلك يبقى هو الأساس و هو من عليه محاربة غلاء الأسعار ، فيروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه جاء إليه الناس فقالوا: غلا اللحم فسعره لنا، فقال: أرخصوه أنتم، فقالوا: نحن نشتكي غلاء سعر اللحم واللحم عند الجزارين ونحن أصحاب حاجة فتقول أرخصوه أنتم، وهل نملكه حتى نرخصه؟ وكيف نرخصه وهو ليس بأيدينا؟، فقال: اتركوه لهم.
 
فصدق الفاروق هنا، فالمقاطعة تجبر التجار على ترخيص الأسعار، فماذا يفعل التاجر إذا تكدست البضاعة لديه في المخازن وذهبت صلاحيتها، فدور المستهلك هنا أساسي، وهي من الأمور التي تساعده  لمحاربة غلاء الأسعار- المقاطعة-.
ونستعرض فى هذا المقال أبرز حملات المقاطعة التى قام بها المواطنون فى بلدان مختلفة من أجل مواجهة جشع التجار وإجبارهم على خفض الأسعار، وقد لقت هذه الحملات صدى كبيرا وأجبرت التجار على الإستجابة وتخفيض الأسعار.
 
الأرجنتين والبيض والـ75%:
 
 أصبح الشعب الأرجنتينى حديث مواقع التواصل الاجتماعى فى فكرة مقاطعة المنتجات وجشع التجار، وتعود القصة إلى قبل بضع سنوات استيقظ الشعب الأرجنتيني فى صباح أحد الأيام وقام تجار الدواجن والبيض قد اتفقوا على رفع سعر البيض كلهم مرة واحدة، ولكن اتفق شعب بلاد الفضة على عدم شراء البيض وتركه فى منافذ البيع والسوبر ماركت .
 
وأتى عمال الشركات فى اليوم التالى لإنزال انتاج اليوم في محلات السوبر ماركت، فرفض بعض الباعة أن ينزلوا أي حمولة جديدة لأن إنتاج الأمس لم يتزحزح من مكانه فلم يشتر أحد ذلك اليوم والبعض الآخر طلب تبديل إنتاج الأمس بإنتاج اليوم.
 
وقالت الشركات إن المقاطعة ستنتهي في غضون أسبوع وبعدها سيعود الناس للشراء، ولكن الأمر لم يختلف، مازال الشعب الأرجنتيني مقاطعا بعد مضي أسبوعين وشركات البيض تخسر.
 
واجتمع أصحاب شركات الدواجن وقرروا إعادته لسعره السابق فكانت النتائج عكس التوقعات وتواصلت المقاطعة  فلايزال الشعب الأرجنتيني مقاطعا للبيض والشركات تكاد تفلس.
حتى اجتمع التجار مرة أخرى وقرروا تقديم اعتذار رسمي للشعب الأرجنتيني عن طريق جميع وسائل الإعلام، تخفيض سعر البيض عن سعره السابق إلى ربع القيمة السابقة أى بتخفيض 75% عن القيمة الأصلية.
 
السعودية والدجاج “خلوها تعفن”:
 
قام المواطنون والمقيمون في السعودية فى عام 2012، بإطلاق أكبر حملة من أجل مقاطعة الدجاج المحلي بنوعيه “المبرد” و”المجمد”، تحت عدة مسميات، من بينها: “خلوها تعفن”، و”لا دجاج بعد اليوم”.. وذلك على خلفية الارتفاعات التي طالت أسعار الدجاج ، في محاولة من المستهلكين للضغط على شركات الدواجن لتخفيض الأسعار.
 
وذكرت آنذاك  صحيفة “الوطن” السعودية، بأن المقاطعة دخلت حيّز التنفيذ  بعد دعوات واسعة عبر “تويتر” و”فيسبوك” ورسائل “الواتس أب” وعبر المنتديات والمواقع الإلكترونية التي طالبت المواطنين والمقيمين باستخدام سلاح “المقاطعة” بعد أن وصلت أسعار بعض الأحجام إلى 16 ريالا، مستشهدين بتجارب بعض الشركات، ومنها الألبان التي ساهمت مقاطعتها في وقت سابق في إجبارها على إعادة الأسعار لسابق عهدها، ونجحت الحملة فى خفض أسعار الدجاج بالمملكة وهو مايدل على تأثير ودور المقاطعة.
 
مصر وحملة “بلاها لحمة”:
 
فى أغسطس من عام 2015 دشن نشطاء مصريون حملة على مواقع التواصل الاجتماعي لمقاطعة شراء اللحوم بسبب ارتفاع أسعارها، انعكست أصداءها مؤخرا على الأسواق في عدة مدن.
 
ووصلت أسعار اللحوم في بعض المتاجر بالقاهرة والإسكندرية إلى 120 جنيها للكيلو جرام ، مما يجعل تناول اللحوم يثقل كاهل قطاع كبير من العائلات المصرية، لاسيما مع اقتراب عيد الأضحى.
 
وعزا التجار ارتفاع أسعار اللحوم إلى ارتفاع أسعار الأعلاف الذي يتم استيرادها من الخارج.
 
وتأثرت أنشطة تجار اللحوم كثيرا بالحملة التي حملت اسم “بلاها لحمة”، حيث تباطأت مبيعات العديد منهم ووصل الأمر إلى اضطرار جزارين إلى وقف نشاطهم ولو بشكل مؤقت تفاديا لوقوع المزيد من الخسائر.
 
ودفع ذلك قطاعا من الجزارين إلى مساندة الحملة حتى تنخفض الأسعار ويتمكنون من استئناف نشاطهم بالشكل المعتاد، ويعكس ذلك تأثير مقاطعة المنتجات خاصة للحوم وتأثيرها على تخفيض الأسعار

مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE