من ينصف نابغة سوس..؟


لا اظن أن هناك حافظا لكتاب الله في آيت بعمران خصوصا، وفي سوس عموما، لا يعرف الحافظ النابغة سيدي محمد كعبلا، هذا الهرم والعلم الذي كرس حياته لتحفيظ القران الكريم بمختلف الروايات لطلبة المغرب، في وقت كانت فيه المدارس العصرية نادرة، ولم تكن فيه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قد خصصت منحا تحفيزية ومناصب مالية للفقهاء.
يتحدث طلبة الحافظ كعبلا عن نبوغه وشدة إتقانه للقرآن الكريم حفظا ورسما، كما يتحدثون عن طيبوبته وأخلاقه العالية وتواضعه وبساطته ونوادره التي ترفعه إلى درجة الأسطورة في مجال إتقان كتاب الله واستحضاره للشواهد والأنصاص المتعلقة بكلماته ورسمها وعددها وغير ذلك مما اشتهر به السوسيون، كما يستحضرون كذلك طريقة تدريسه وجهوده خلال مقامه بمدرسة سيدي احساين بتيوغزة بالإضافة إلى حرصه الشديد على توفير الظروف الملائمة لطلبته واعتماده على نفسه عبر ممارسة أعمال فلاحية بعيدا عن مد اليد للناس.
واليوم، وبعد أن قضى سنين عددا في التعليم والتحفيظ وخدمة كتاب الله، وبدل أن يعيش كريما عزيزا وسط قومه وطلبته، وبعد أن توفيت حرمه، يعيش الرجل وحيدا في شظف عيش، وظروف قاسية تجعل القلب يذوب كمدا لحاله..وبعد أن كان يقوم بدور التعليم صار اليوم يكسب قوت يومه عن طريق إعداد الصمخ وبيعه لطلبة المدارس العتيقة بسوس.
فالرجل الذي قضى حياته في خدمة القرآن الكريم حفظا وتحفيظا يعيش حالة فقر يندى لها الجبين: تراه في مركز تيوغزة في غالب الأحيان يسير بخطى متثاقلة وفي ثياب رثة، وبوجه كئيب وعينين دامعتين وملامح خجولة يحسبه الجاهل من عامة الناس دون أن تظهر عليه أبهة المتعالمين ولا عظمة بعض أنصاف المتعلمين…ودون أن يحظى بالمكانة اللائقة به أو يخصص له تكريم في حياته أو يقوم منتخب أو مسؤول محلي بإثارة الانتباه لحالته الاجتماعية التي تدعو إلى الشفقة وتذوب لها القلوب.
وأكاد أجزم أن الرجل لو كان سياسيا ماكرا، أو مخبرا يدعي أنه من رجال المقاومة، أو عازفا على الكمان، أو رياضيا، لاستفاد من شهرة واسعة ومأذونية تكفيه شر السؤال..كما أجزم كذلك أن المسؤولين عن الشأن الديني بالإقليم، سواء مندوبية الشؤون الإسلامية أو المجلس العلمي المحلي وجميع طلبة هذا الرجل بالإضافة إلى كافة أعيان المنطقة الذين يشاهدون حاله يتحملون مسؤولية أخلاقية جراء هذا الإهمال والتهميش، وأظن أنهم ينتظرون الى حين أفول نجمه ليقوموا أجمعين بحفل تكريمه والتغني بمناقبه..فهلا تحمل الجميع مسؤوليته وتم إعادة الاعتبار لهذا الرجل في حياته ليعيش حياة تليق بمقامه؟ وهل اندرست قيم العزة والكرامة والأنفة لدى البعمرانيين إلى درجة أنهم لا يؤنبهم ضميرهم وهم يرون هرما شامخا يندرس ببطء أمام أعينهم..
إن الوقت قد حان ليقوم كافة المسؤولين عن الشأن الديني بالمنطقة خصوصا، وفي المغرب عموما، بتحمل مسؤولياتهم التاريخية عن طريق الالتفات لمثل هؤلاء الرجال الأفذاذ الذين كرسوا حياتهم لخدمة كتاب الله وتخريج أجيال حافظة له، دون أن يستفيدوا من تقاعد ملائم أو مصدر عيش كريم، يقيهم ذل السؤال وشفقة الناس..فهل من مبادر؟
اللهم اني قد بلغت…اللهم فاشهد !

بقلم: عبد الكريم امجــــوض – باحث في العلوم القانونية والاجتماعية بالرباط –


مقالات اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي

جاري التحميل...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*