الأحد , يوليو 21 2019

قراءة في المحور الرابع لكتاب : “الجذور المعرفية والفكرية للتطرف الفكري والانحراف الأخلاقي”

 

زكرياء لعروسي

يعد التطرف الفكري والانحراف الأخلاقي، خطرا محققا يحيط بالمدركات الجماعية للأمة الإسلامية، وداءً فتاكا يستهدف المنظومات الفكرية والعقدية، ليمتد إلى تغذية التهديدات الأمنية، في مختلف الأمصار، وهو ما دفع العديد من مجموعات التفكير، وعقلاء الأمة إلى فتح ورش عميق للنقاش الفكري النظري الرصين، إذ يرتبط نجاح علاج الداء وأعراضه، بالتشخيص السليم القويم الدقيق.
لعل الإسهامات العلمية النظرية والعملية التطبيقية للشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه، من خلال منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، ومركز الموطأ، تشكل مصباحاً ينير عتمة المشهد في المجتمعات المسلمة، لما تعانيه من انتشار الخطير للفكر المتطرف، الذي أفرز عدة ظواهر دخيلة على الإسلام وتعاليمه السمحة.
ويقدم كتاب: “الجذور المعرفية والفكرية للتطرف الفكري والانحراف الأخلاقي”، كلمة الشيخ عبد الله بن بيه في “قمة أقدار العالمية”، والصادر سنة 2018، من منشورات “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة”، (يقدم) مجموعة من التدابير العلمية والعَملية، الكفيلة بجعل التسامح مدخلا هاما للتصدي لجميع مظاهر التطرف، عبر سلك طريق الوسطية والاعتدال، الجامع بين الأخلاق الفاضلة والفكر المستنير المتفتح.
وأحاط صاحب الكتاب بكل أركان ظاهرة التطرف، خاصة جذره الملتبس بلبوس ديني، من الناحية الفلسفية، والتحذير من مخاطره وصعوبة مواجهته في هذا العصر، ليخلص إلى ضرورة تبني ثقافة التسامح والوسطية فكرا وسلوكا، لمواجهة المد الجارف لخطر التطرف، والتي ستشكل محور هذه القراءة.

وتطرق الكتاب إلى أربعة محاور وهي كالتالي:
1- أهمية الموضوع وصعوبة مواجهته في هذا العصر
2- جذور التطرف، خصوصا الملتبس بلبوس ديني
3- الانحراف الأخلاقي وجذوره الفلسفية
4- ثقافة التسامح وأهميتها في مواجهة التطرف والانحراف( وهو ما ستركز عليه هذه الدراسة)
وفي تعريفه للتطرف، قال الشيخ عبد الله بن بيه، إنه “الخروج على النظام العام فكريا وسلوكيا، يحمل إمكانية التحريض على العنف أو الإخلال بالأمن”، وهو مذموم في الفقه الإسلامي، وكان من مآسيه في التاريخ حركات الخوارج الباطنية، وفي الزمن الحاضر حركات التفكير والعنف والشغب والقلق السياسي. أما الشريعة فإنها تزكي الوسطية المنافية للتطرف والغلو.
إن أسباب التطرف وأصنافه ومآلاته، أصبحت معروفة ويدركها الجميع، فيمكننا أن نصف عتمة المشهد، وظلمة السبيل، بكل يسر، لكن إطفاء حرائق التطرف، يحتاج جهودا سلمية حقيقية، للقضاء على الاصطفافات الإيديولوجية، الدافعة إلى الشقاق والافتراق، وخلق فضاء للحكمة والتفكير، من أولي بقية من المؤمنين بالسلم.. والأهم هو نشر ثقافة التسامح، وتبنيها كاستراتيجية قادرة على مجابهة المخاطر.
وتسعى هذه القراءة المتواضعة في المحور الرابع من الكتاب، إلى الإجابة عن إشكالية: كيف تشكل ثقافة التسامح حصنا وقائيا للمجتمعات المسلمة لدرء مفاسد التطرف؟
وذلك وفق منهج تحليلي وصفي، ومقترب استراتيجي، من خلال محورين ، يتطرق أولهما إلى التأصيل لثقافة التسامح والحق في الاختلاف من المنظور الإسلامي والشرعة الدولية، كما قدمها صاحب الكتاب، ثم الاستراتيجية التسامحية المقترحة لمواجهة خطر التطرف.

المحور الأول: ثقافة التسامح في الإسلام والقانون الدولي:
1- التسامح في الإسلام:
قدم الشيخ بن بية، تأصيلا دينيا لثقافة التسامح، باعتبارها أُسًّا من الأسس التي يقوم عليها الدين الإسلامي، ووسيلةً تقود إلى تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية، وتُرشد إلى مكارم الأخلاق التي بُعث لأجلها نبي الأمة صلى الله عليه وسلم.
وانطلق الشيخ من حديث “بعثت بالحنيفية السمحة”، المروي في مسند الإمام أحمد، ثم حديث عائشة رضي الله عنها: “لتعلم اليهود أن في ديننا فسح إني أرسلت بحنيفية سمحة”، وما ذكره البخاري بقوله: ” باب الدين يسر وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة”. وذكر قول ربنا جل وعلا: “فاعفُ عنهُم واصفح إن اللهَ يحبُّ المحسنينَ”.
تؤكد هذه الأدلة الشرعية، وفق الكاتب، أن الدين يعطي للسماحة معنى اليسر والسهولة والسعة، ورفع الحرج والبعد عن التشدد، فالتسامح في الإسلام لا يتحقق إلا بالتسامي عن السفاسف، وملازمة عفة اللسان عن الأعراض وسكون اليد عن الأذى.
وأكد الكاتب، أن الميزان الشرعي هو ميزان الوسطية، التي لا إفراط فيها ولا تفريط، وهو نفسه الدافع إلى نبذ المغالاة والمبالغة، والنظر في العواقب والمآلات، انطلاقا من سد الباب أمام الحروب الكثيرة التي نتجت عن الاختلاف العرقي.
ولا أدل على ذلك من قول ربنا: “ولا يزالون مختلفين”، وهي دعوة واضحة لاحترام الاختلاف، العقدي أو الديني أو المذهي أو الفكري، أو أي تمظهر آخر، وتدبيره وفق محددات التسامح والحوار بالتي هي أحسن.
2- التسامح والشرعة الدولية:
عرف تاريخ البشرية حروبًا قاتلة وفتاكة، راح ضحيتها شيب وشباب، وعصفت بحضارات ومماليك وإمبارطوريات ودول، وعانت البشرية جمعاء من ويلاتها، ولمَّا تتوقف بعدُ، وهو ما يدفع فقهاء القانون، وصانعي السياسة الدولية، ومنظريها، إلى البحث عن تشريع قانوني، خصوصا بعد الاهتداء إلى تأسيس المنظومة الأممية بعد 1945، والقضاء على عهد عصبة الأمم.
وتتوالى محاولات المنتظم الدولي، للبحث عن أرضية مشتركة لمحاربة العنف، من بينها إعلان اليونيسكو للتسامح ورفض التعصب، الصادر سنة 1995، الذي تطرق إليه الكتاب، إذ يشير في مجمله إلى مفاهيم التسامح وقبول الآخر والتنوع الثقافي، ثم دور الدول والحكومة في سن القوانين وضمان حسن تطبيق هذا المبدأ، ثم التحديات التي تواجه نشر التسامح بين مختلف المجموعات، وأهمية التربية والتعليم لمحاصرة عدم التسامح والتعصب.

المحور الثاني: الاستراتيجية التسامحية لمحاربة التطرف
تنبني الاستراتيجية التسامحية لمحاربة التطرف، التي اقترحها الشيخ بن بيه، على الوسائل التثقيفية والإعلام الجماهيري، لترجيح كفة التسامح وتقبل الغير والتعايش البناء بين أفراد المجتمع، وهو ما سيمكن من مواجهة ثقافة العنف.
إن الخطاب الحي القائم على نبذ العنف وزرع ثقافة السلام والمحبة والتسامح، هو المضاد الحيوي، القادر على مواجهة خطر التطرف، والتصدي لمسبباته ومعالجة أعراضه.
كما تقوم الاستراتيجية التسامحية، على تجديد الفكر التوفيقي والمنهج الوسطي في الجامعات والمدارس ومؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى، بآليات دائمة مستمرة غير موسمية، لبلورة ثقافة تصالحية أصيلة ومتفتحة، قادرة على مواجهة مستجدات العصر، بمنظور مصلحي براغماتي.
وتتحدد معالم هذه الاستراتيجية بدارسات عميقة وجادة في المجالات الثقافية و الاجتماعية والشرعية، وهي الموجه الرئيسي لعمل الوسائل التثقيفية والإعلام الجماهري، لمحاربة التطرف ونبذ العنف.
وتعتبر المناهج التعليمية، الحلقة الهامة التي تتحكم في التوجهات الفكرية وتؤطر المدركات الجماعية، مما يفرض تجديد المناهج التعليمية الدينية وفق ما يفرضه تحقيق التسامح الديني، وما لا يزيغ عن منظومة الفكر الإسلامي، بل يعتبر عمودها الفقري، وفق حوار تسامحي مستنير، يصحح مختلف المفاهيم التي أساءت مجموعات استغلالها، فأضلت السبيل، وزاغت عن المحجة البيضاء (مفهوم الجهاد ومفهوم الولاء والبراء ومفهوم التكفير…).
خلاصة:
قدم منظور الشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه، استراتيجية متكاملة، توجه المجتمعات المسلمة إلى سبل التصدي للتطرف، وعلاج أعراضه، والإحاطة بأسبابه، صونا لخطاب الوسطية والاعتدال والتسامح، ونبذ العنف والتطرف، وفتح جسور الحوار، وجهود الوصال، مع جميع من يحب السلام، ويسعى إلى نشره في العالم.
ويتجه البناء النظري لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، إلى وضع الأسس الفكرية المعرفية، للإجابة عن الأسئلة الحارقة، التي تلهب عقول نظريات العلاقات الدولية، خصوصا تلك التي وجهت السياسة الدولية نحو صدام الحضارات والواقعية النفعية، والبحث عن الهيمنة بعيدا عن السلم والأمن العالميين، وهو ما يعني أننا أمام نظرية جديدة في العلاقات الدولية، قد تجد لها مقعد صدق بين النظريات العالمية المؤطرة لهذا العلم.

loading...

شاهد أيضاً

عندما تصير المحنة منحة ورغم الألم نصنع الأمل

صديقي ورفيقي الغالي الدكتور خامس مفيد وأنا أسمع خبر نجاحك في مباراة “أستاذ جامعي درجة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *