الخميس , يوليو 18 2019

الرسالة الأولى/ رهام اليماني

صحيفة 24 / أحلام مدني

الرسالة الأولى بقلم المدللة رهام اليماني حصريا على صحيفة الإبداع 

الرسالة الأولى _______________________________

و كلما اعتراني الخوف ، أجدني أخلع رداء كرامتي ، و ألتجئ إليك ، أختبئ بين سطوري التي تتحدث عنك ، و أنام ، و كلما أحسست بالسعادة ، أركض نحو دولاب الذكريات لأحمل صورتك ، علها تتقاسم معي هذه الدقائق المعدودة من الفرح … و كلما أحسست بالوهن ، أتذكر كم الكلام القاسي الذي وجهته لي في وقت من الأوقات ، و أتذكر كيف بقيت صامدة ، أنا التي لا تشعر بالضعف إلا من جهتك ، لم يسقطني رصاص كلماتك …
أعلم أنك الجرعة الزائدة عن حدها التي أودت بي إلى الإدمان ، و أن إدمانك شيء صعب ، لا يسهل تخطيه ، لكنني أكتب الآن لأقتلك بسمه ، و أجعل من حروفي مشنقة لذكراك … سأبدأ علاجي بخط أول رسالة أكتبها عنك ، لكنها رسالة مختلفة هذه المرة ، لأنها ليست برسالة أصف فيها عشقي و حاجتي ككل مرة ، بل هي رسالة مفادها النسيان ! و هذه أولى رسائل نسيانك :
هذه رسالتي الأولى ، و مثل كل أولى الأشياء التي أحسستها بحضرتك ، ترافقني رعشة البداية ، تماما كالرعشة التي انتابتني وقت دق هذا القلب لأول مرة دقة الحب ، كنت جاهلة وقتها لماهية ذاك الإحساس ، لكن مقتنعة تماما بجماليته … و الآن أصبح الاقتناع بضرورة النسيان أمرا مسلما بذاته !
أكتب لك رسالتي هاته ، و كلي أمل في أن تقع معجزة ما و تجعلني أعدل عن قراري ، أو تجيء أنت لتقنعني بأنك حلمي الذي سيتحقق و لو بعد حين ، لكن مثل هذه الأماني ما خلقت إلا لتسحق بقسوة !
سأبدأ من حيث ينبغي أن أبدأ ، سأواجه قدري المحتوم دون خوف : ألست من علمني أن الخوف سلاح الجبناء ، و أنني قوية ما دمت أنت معي و إلى جانبي ؟ ألست من أخبرني يوما بأن قوتنا معا تعادل قوى الكون ؟ تبخرت الكلمات ، و استطعت الاقتناع – و لوحدي – بأنه ما دام أنني لم أقع بعد رحيلك ، فقوتي لا يزال مفعولها ساريا ، و عنادي الذي لا طالما أزعجك ، لا زال يمدني بالقوة الكافية لأتحدى وهني من جهتك ، و أقف أمامك شامخة كأن المنكسر شيء لا صلة له بي !
رسالتي الأولى لنسيانك تتسم بالملل و الرتابة ، تماما كحياتي من بعدك ! لا تسئ فهمي ، أنا لا أرثيك ، بل أتكلم مع نفسي و حسب ، أسترجع معها أيامنا معا ، تلك الأيام التي لم تكن موجودة بالأساس ، بل كانت أوهاما عششت في مخيلتي إلى أن توارت خلف قناع الحقيقة …
لا أنكر أنه هناك ذكريات قد تقاسمنا بالفعل تفاصيلها : أتذكر ذكرياتنا معا ؟ أم أن أمر التذكر محصور علي دونك أنت !؟ أتذكر سابقا نوبات الغيرة التي كانت تنتابك كلما لمحتني بملابس قصيرة ؟ أتذكر جلساتنا المطولة التي لم تحظ قط بفسحة صمت ؟
أتذكر لقاءاتنا المتصادفة نوعا ما و فرحنا بتلك الصدفة التي أرغمت القدر على اجتماعنا و لو لدقائق ؟
لا يهمني إن كنت ستتذكر هذه الأيام : هذا ما يقتضيه البند الأول ضمن فصل النسيان ! كل ما يهمني هو كيف أخرج من قوقعة سجنك !
كيف أقنع هذا القلب القابع بمنتصف الصدر أنك غير مناسب له ؟ كيف أقنع عيني أن النظر إليك خطيئة إثمها عظيم ؟
كيف أقنع عقلي بأن التفكير فيك معصية للكرامة؟
و كيف أقنع أذني بأن صوتك يشبه النشاز ؟ أخبرني كيف أقنعنني بأنك لا تصلح لشيء ؟
أذكرك أن هذه رسالتي الأولى للنسيان ، أو بالأحرى أذكر نفسي ، التي وجدتها تغوص في ذكريات الماضي …
مر هذا اليوم طويلا طويل ، تعذبت فيه قليلا لأخرج هذه الحروف ، و تألمت أكثر لأقنع القلم بتغيير مبدئه الذي كان أنت : لا تخش يا قلمي ، ما دمت إلى جانبي سنكتب عنه ، إلى آخر نقطة مداد فيك سنكتب عنه ، و إلى آخر نفس في سنكتب عنه ، ستكتب عنه بحبر من نسيان … سنكتب عنه لنسحق ذكراه ، و نوثق الألم بخط عريض تحت اسمه ، ذاك الاسم الرباعي الذي تاهت فيه كلماتي ، و انتحرت فيه حروفي بحثا عن السبيل إلى قلبه !
اعذرني قليلا ، فكلماتي مشتتة ، و عقلي لا يود التفكير في الأمر : كيف أنسى ، و أنا من تعودت أن تنسى النسيان بحد ذاته فقط ليبقى مستوطنا عمق الذاكرة !؟
كيف أنسى و قلمي لا يكتب إلا إذا كان الحبر سيدونه عشقا و إدمانا !؟
كانت هذه رسالتي الأولى للنسيان ، رسالة استجمعت كل شجاعتي لأكتبها ، و بفضلك أنت فشلت !
و أحمد الله لأنني فشلت !

loading...

شاهد أيضاً

شيماء انطيطح _ رسالة إعتراف و تهنئة لك

صحيفة 24 / أحلام مُدني رسالة إعتراف و تهنئة لك بقلم المتألقة ” شيماء انطيطح حصريا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *