الأربعاء , أغسطس 21 2019

حفيصة عبد الله البقالي – سِرُّ العيدِ

صحيفة 24 / أحلام مدني

#سِرُّ_العيدِ #بقلم متألقة العيد حفيصة عبد الله البقالي حصريا على صحيفة الإبداع

سِرُّ العيدِ

معَ صباحِ اليومِ الأخير من رمضان.. صادفتنِي هذه الصور على مواقع التواصل الإجتماعي .. اجتاحني حين رؤيتها حنينٌ غريب

يا تُرى أين ذهبت هذه التفاصيل الجميلة ؟

عندما كان انتظار العِيد يُعدّ عيداً أيضاً..
أين اختفتَ تلكَ اللهفة
لهفةُ اقتناء الملابس الجديدة التي كانتْ تشاركنا وسادتنا ليلة العيد ..لهفة إعداد الحلويات..لهفة لِقاء الأحباب و الأصدقاء صباح العيد ..
أ تغيّرت الحياة لهذهِ الدرجة ..أم نفوسنَا هي التي تغيرت ؟
أم غدونا جيلاً لا يُعجبهُ العجب؟
لا زلتُ أذكر حيّنا ليالٍ قبل العيد…
يومهَا كنّا أكثر أُلفةً و تلاحُماً
لا زلتُ أذكر كيف كانت تنقلِبُ البيوتُ أشغالاً و تنظيفاً و كأنّنا سنستقبِلُ ضيفاً عزيزاً علينا .. الحي يزخرُ بالأفرشة الموضوعة قبالة الشمس ..و أنا و صديقاتي نلعب حيناً و نساعدُ أهالينا حيناً..
و حينَ يأتي وقتُ -التسياق- تجدُنا أول من يتسابق على سكب الماء..
ذلكَ لكيْ نلهوُ و نبللّ بعضنا بِالمياه..
أحن إلى روحي عندما كنتُ أنتظرُ عودة أبِي مساءاً من العمل بكل فرحٍ و حب لأنه سيصطحِبنِي لإقتناءِ ملابس جديدة
تلكَ الملابس المسكينة التي ندمت على مجيئها معي حيث أقوم بقياستهَا أمام المرآة أكثر من مئة مرّة في اليوم ..بقوة الفرحة
و أختار لها ما يناسب من الإكسسوارات و مقابض الشعر و خواتم البلاستيك التي كنا نجدها في علبة المفاجآت -سْوِيرْتِي-

عندما ينتهِي أسبوعُ التنظيف..يبدأُ أسبوع إعداد ما لذّ و طاب من الحلويات..
يُصبحُ “فران الحومة” هو الوجهة المعتمدة لدى الجميع
في الصباح -غربية السمن- في المساء -حلوى التمر- في اليوم التالي-حلوى الكاوكاو- و -حلوة الماكينة-
و هكذا دواليك إلى أن يصلَ دور -الفقاص- و -حلوى الخليط- المكسوة -بالسكر الكلاصي-٠
أما عندمَا يقدرُون مجهوداتِنا نحنُ الصغار يعدّون لنا الحلوى المغطاة
بالشوكولاته و التي تنتهي قبل صباح العيد..
و يا ويلتاه “مول الفران” عندما يقوم بحرق صينية الحلوى

عندما ينتهي إعداد الحلويات.. يبدأ التبادل التجاري.. صحن لجدتي أم أمي ..و صحن لجدتي أم أبي..صحن لجارتنا -حبابي رحيمو-..و آخر لزوجة خالي..
و هكذا تستمر حلقة الأخذ و العطاء
اليوم ؛”فران الحومة” لم يعد يعره أحدٌ الإهتمام .. إلا فئة قليلة..
أصبح شبه مهجور
فالوجهة تغيّرت إلى المخابز و مكان صناعة الحلويات..
نعمْ..نشتري حلويات أكثر لذة و جمالاً.. و لكنها لن تكون ذات قيمة أكثر من الحلوى المصنوعة بأيدي أمهاتنا بكل حب و شغف

..ليلة العيد أو كما أدعوها أنا ليلة النظافة .. بالرغم من أننا نقوم بالإغتسال دائماً إلا أن إغتسال ليلة العيد كان فرضاً و له طعماً خاصاً
حيثُ كانت نبع الحنان تفركُ جلدتي بذاكَ -الكيس الأحمر- و الذي لا زلتُ أذكرُ تلكَ الخدشات التي يتركُها على بشرتي بعد انتهاء الغسل

حينها يبدأُ موسمُ الحناء
في بيتِ جدتي أم أبي كنا نجتمع حشداً ..تقومُ الحنونة بخلط الحناء مع بعض الأعشاب و الماء حتى تصير عجينة ثم تضع لكل واحدة منا كويرة في يدها و تشد عليها بقطعة من الثوب فتأمرنا أن لا نفتح يدينا حتى الصباح .. نقضي الليلة كلها مكتفي الأيدي ..لم تكن الهواتف الذكية لكي نحملُ لها هماً ؛كيف سنكتب و كيف سنتواصل ..
أمّا في بعض الأحيان عندما يفرحون بنا كانوا يصطحبوننا إلى النقاشة…
خالتي وسيمة كانت تأخذني و صديقتِي خولة إلى ساحة برج القمرة حيث كل نقاشةٍ هناك تستعرض مواهبها و مهاراتها في النقش
عندمَا تكمل النقاشة عملها يبدأ الألم عمله ..و لكن هذا الألم كان متعةً فكلما إشتد الوخز؛ظننا أن الحنة ستكون واضحة أكثر و شديدة الحُمرة..
خصوصاً عندما تجف و نقوم بمسحها بالليمون أو الشاي

أما من بين أجمل لحظات ليلة العيد هي عندما يحينُ وقت النوم؛ أتركُ سريري لملابسي الجديدة و أنام على الأرض ،و عندما توبخني أمي أنام و أنا أحضن ملابسي
صباح العيد ..
إنه وقت الإستعراضات .. نحن الفتيات بجلابيب و قفاطين تقليدية مغربية مطروزة بدقة و مهارة
و الأولاد بقنادر أنيقة ..أغلبها بيضاء و الأخرى بألوان مختلفة
أما الملابس الجديدة فنتركها للمساء
التبريكات في كل مكان.. الجيران هنا و هناك يدقون أبواب بعضهم ليباركوا العيد ..حتى المتخاصمين منهم،كانوا يستغلون هذا اليوم من أجل الصلح..
و إعادة المياه إلى مجاريها
حينها كانت القلوب أكثر صفاءاً
أ أصبحت الآن هذه المعايدات ثقيلة ؟
عندما يأتي أبي من المسجد
نذهب إلى منزل جدتي ،فتلكَ عادتنا منذ الصغر..تستقبلنا رائحة الحلويات و الشاي المنعنع و الفطائر المطهوة بحنان
و تكتملُ فرحتي بلقاءِ ابنة عمي زينب
أما الجميل في كل هذا هو وقت إعطاء العيدية ..تلكَ النقود التّي تَخنِقهَا جيوبُنا فلا تظل صامدة إلى المساء بل تُصرف في وقتِها.. يومٌ كامل من الذهاب و الإياب إلى بقال الحي ..إنه الغِنى يا سادة
يقترب صوت قرع الطبول رويداً رويدا.. إنه الطبال الذي قضى معنا شهراً كاملاً ،جاء ليأخذ أجره ..و من بين العادات الجميلة في حيِّنا أن هذا العطاء لا يقتصر فقط على المال بل حتى على الدقيق أو الحلويات أو الخبز .. كلٌّ على قدر استطاعته
إلا ابنة عمي المسكينة التي كانت تُعطي للطبال عيديتها كاملة دون نقص أي درهم
أ تذكرين ؟
لقاءُ الأحباب..فرحةُ الصغار..ضحكاتُ العائلة البريئة
ذاكَ هو سرُّ العيد..
فمنْ سرقهُ يا تُرى؟
أين ذهبتْ فرحة العيدِ يا قوم
اشتقْنا إليكَ يا عيد الطفولة

#حفصة_البقالي

 

 

 

 

loading...

شاهد أيضاً

أصغر إعلامية مغربية بمهرجان إفران الدُولي تحقق نجاحات في عالم الصحافة و الإعلام

صحيفة 24 / ياسين الحاجي تعتبر، أحلام العسري ذات العشرون ربيعاً، و المنحدرة من مدينة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *