fbpx

البرلماني السابق عادل تشيكيطو يكتب…تمارة مدينة “البراريك دولار”

صحيفة24

خلال النصف الثاني من العشرية الأخيرة، عندما تكالبت السلطات الاقيلمية و المحلية و المنتخبة على البسطاء من سكان دور القصدير بتمارة، وأخذت تفتل في الذُّرْوَة والغارب (كما يقال) وانهمكت في الحيلة و الخديعة للوصُول إلى مبتغاها المتجلي في التهجير القسري لسكان دواوير صحراوة و السي لامين و الجديد، عندها كان الصديق محمد زهاري، و هو يناضل إلى جانب الشرفاء من أبناء المدينة ( في مقدمتهم المناضل الأستاذ خالد فتحي)، يردد عبارته الشهيرة ” مدينة تمارة هي مدينة البراريك دولار” .
لم يكن هذا الوصف، الذي ردده ما من مرة، الحقوقي زهاري وليد الصدفة أو اللحظة المشحونة بعواطف التضامن و التآزر الفئوي، بل كان منبعه قناعة رسمت ملامحها سياقات تاريخية وحكايا واقعية أبطالها مستشارون جماعيون ببلدية تمارة وأعوان سلطة وقواد و باشاوات وكتاب عامون وعمال تناوبوا على الاغتناء من عملية سماحهم بتفريخ آلاف ” البراريك”.
أصرّ صديقي زهاري على استعمال هذه الإستعارة وهو يقصد أن دول البترودولار بالخيلج العربي قد أنتجت نخبا اقتصادية فاحشة الثراء فيما فرخّت مدينة تمارة أو ” مدينة البراريك دولار” عصابة من رجال السلطة و المنتخبين الذين راكموا الثروة على حساب المستضعفين من سكان دواوير المدينة.
مناسبة استحضاري لهذه الاستعارة هو هذا النقاش الهادئ الذي أطلقه ناشطون على مستوى الفيسبوك من أبناء مدينة تمارة حول ما أسموه استفحال ظاهرة دور الصفيح و انسداد أفق القضاء عليها أمام تخشّب مبادرات المسؤولين للقضاء عليها.
فإرادة التغيير و الرغبة في حل هذه المعضلة، التي ظلت مديتننا تتخبط فيها لعقود من الزمن، لا تستقيم دون استحضار السياقات التاريخية المرتبطة بهذه القضية.
كانت أولى المبادرات الرامية إلى اجتثات هذا المشكل من جذوره سنة 1984 أي بعد سنة من إعلان الصخيرات تمارة عمالة مستقلة إداريا عن العاصمة الرباط، حين أعلنت السلطات آنذاك عن عملية ترحيل دواوير تمارة إلى حي المغرب العربي أو ما يسمى بالمسيرة 2، حيث خصصت حوالي 11000 بقعة أرضية على مساحة تناهز 80 هكتار، أي أن المدينة في متم سنة 1990 كانت ستعلن تخلصها من حوالي 4000 براكة و ستتصرف الجماعة في 7000 بقعة بقيمة 15000 درهم للبقعة.
فجل أبناء تمارة يتذكرون قصة “بون ال 100″ ، فقد فرضت السلطات على كل من يود الإنتقال إلى بقع المسيرة 2 دفع ثلاثة أقساط (بونات) بقيمة 5000 درهم ل”البون” تودع في حساب خصوصي فتحه المجلس البلدي آنذاك في وجه الرغبين في الرحيل من دورهم القصديرية، لكن العملية باءت بالفشل، حيث تؤكد التقديرات أن العملية لم تشمل سوى 1000 مواطن من سكان دوار 10000 و بالعربي و جزء من دوار صحراوة و دوار الجديد.
مسلسل إهدار الفرص لم يتوقف عند هذه الجريمة في حق ساكنة الدواوير التمارية، بل تواصل حين تم تخصيص مساحة 80 هكتار و 50 هكتار، منتصف التسعينيات من القرن الماضي، بسوق السبت القديم و قرب أرض “الشيكا”، رحلت إليها العشرات من أسر سكان الزنقة 6 و الزنقة 5 بدوار صحراوة فيما تم ترحيل باقي الأسر إلى منطقة محاذية لغابة المعمورة سميت فيما بعد بدوار الصهد أو دوار الشوك أو دوار لاحونا.
نفس المنهجية طبقت على سكان دوار العسكر الذين تم إقصاء عدد لا يحصى منهم من عملية الترحيل نحو مشروع حي النهضة 1 و2 .
وفي خضم حديثي عن الفرص المهدورة، لا يمكن أبدا أن أقفز على مرحلة مهمة من تاريخ هذه المدينة المنهوبة، حين تفتقت عبقرية السلطة الإقليمية بحل، كنا كأبناء هذ المدينة نعقد عليه الأمل، حيث طلبت السلطات من وزارة الداخلية ضم عشرات الهكتارات المحسوبة ترابيا على جماعة مرس الخير ( تحد شمالا من سوق الجملة”القديم وجنوبا إلى أرض الصافي)، وقد كان طلب عامل الصخيرات تمارة، آنذاك، مشروطا برغبته في تعويض سكان دواوير الصفيح و ذوي الحقوق من سكان قبائل كيش الاوداية، لتضيع هذه الفرصة كسابقاتها، بعد أن تجاوبت وزارة الداخلية مع الطلب المذكور ، لكن بعد فوات الآوان، و بعد أن أوحى أحدهم إلى لوبي العقار بشراء القطع الأرضية الفلاحية موضوع الضَّم، لتستحيل مع الوضع القائم عملية نزع الملكية .
و لن ينس تاريخ هذه المدينة كيف تكالبت السلطات الإقليمية والمحلية و المنتخبة على سكان دواوير صحراوة و السي لامين والجديد و قامت بترحيلهم بشكل قسري إلى صناديق مشروع النصر ، إذ ظلمت بهذا الجرم سكان تلك الدواوير القدامى الذين أودعوا الأقساط الثلاث (بونات مليون ونصف ) منتصف الثمانينات، و أقصت عددا يقدر بالمئات من السكان و استغل بعض رجالها و أعوانها الفرصة للاغتناء المشبوه.
ختاما وحتى نربط بين استعارة الصديق محمد زهاري و ما تم ذكره، وهو جزء فقط مما تحفظه ذاكرتي، لابد من القول إن مدينة تمارة كانت ضحية مؤامرة عدد من رجال السلطة و من المنتخبين الذين تلاعبوا بهذه القضية و زوروا لوائح الإحصاء و أهدروا على هذه المدينة فرصا يصعب تداركها.
لقد اغتنى عدد من هؤلاء من المتاجرة بعملية تفريخ المئات من دور القصدير، مما وضعنا أمام 15000 براكة أو قنبلة قابلة للانفجار، كما طلب بعضهم “الحلاوة ” مقابل إدراج أسماء أناس لا علاقة لهم بالدواوير في لوائح المستفيدين.
و إذا كان النقاش اليوم يصب في اتجاه إيجاد حل لقضية دور الصفيح بتمارة فإنني أرى أن المدخل الأساسي للإنصاف لا يمكن أن يكون دون محاسبة الذين رضعوا من ثدي مدينة البراريك دولار حتى الثخمة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق