fbpx

حُكم عادل من “النصاب عادل”

 

بقلم محمد شمسي

لا نحتاج لفيديو”الوسيط عادل”، لنتيقن من أن بقعا سوداء تلطخ الثوب الأبيض لعدالتنا، قد يكون المشهد الموثق بالصوت والصورة من باب تحصيل حاصل، جاء فقط ليخبرنا أن الشمس تطلع من الشرق، لكن دعونا نوجه السؤال المشروع، لماذا طلب أهل المتهمة خدمة “النصاب عادل” لأجل تحقيق”حكم عادل” لمتهمتهم ـ بحسب اعتقادهم ـ؟.

يتجاوزني هذا السؤال بحمولته، والجواب عنه لدى علماء النفس والاجتماع والتاريخ وربما حتى شيء من الجغرافية، هل يستوعب الناس مفهوم العدالة؟، هل يعرفون أنها سيف بتار لا يعرف للقرابة ولا للدم ولا للمصاهرة قيمة ولا وزنا؟، وأنه سيف يشق صلابة المال ومعها قوة الجاه، وأنه قد هلكت أمم كانوا إذا أجرم الفقير الضعيف عاقبوه، وإذا أذنب ذو النفوذ والسلطة تركوه، لكن لنكف عن هذه الأسئلة المتشابكة والمتداخلة التي تثبت إصابة العديد من الناس بفيروس نقصان المناعة القانونية، وضعف في الاستعداد لتحمل العاقبة، مع تضخم في منسوب الأنانية، ولنعد إلى تحليل سلوك السعي إلى البحث عن”حكم عادل” يُنتجه “النصاب عادل”، وكأننا بتنا أمام مقولة “اطلبوا العدالة ولو لدى معشر المحتالين”، سيكون من الحيف حد الحماقة أن نعتقد أن ذلك “النصاب”، استيقظ في ذلك اليوم وتوجه إلى قرب المحكمة واصطاد فريسته وشرع يملأها بالوعود حد الوهم، وهو يقرأ عليها”زابوره القانوني”، العصي على الفهم على أهل العلم، مثل حديثه الشارد عن “سقوط الدعوى العمومية”، الذي له شروطه وحالاته والتي لا تتوفر بالمطلق في “وليمة النصاب عادل”، إذن فصاحبنا لن يقصد المحكمة “على الله”، فالأكيد أن له عيونه وآذانه وأعوانه فيها، والأكيد أن له غزواته وسوابقه التي قادها بعيدا عن الكاميرا التي عرت سوءة واقعنا الذي علينا ألا ننفر منه، وألا ننكره إن نحن رغبنا فعلا في الإصلاح، والمؤكد أن “عادلنا” هذا ليس أعزلا أو “بوجاديا” في “الحرفة”، فهو يشتغل مثل العنكبوت، حين تهز فريسة خيوط بيتها وتعلق فيها، يتحرك صاحبنا ليلف الطريدة بخيوطه ثم ينشب مخالبه ويلقي بسائله الذي يذيب أحشاء الضحية فيزدردها ويتركها هيكلا معلقا في شبكته يجف مع الأيام، أمثال عادل يتابعون كل حركة في المحاكم، يعرفون أسماء القضاة وبرنامج جلساتهم وأسماء ممثلي النيابة العامة معهم وحتى كتاب الجلسات، وهم ينتظرون تعيينات القضاة في الجمعية العمومية كما ينتظره القضاة أنفسهم، حتى يكونوا أمام ضحاياهم مُحينين و “آجور”، يخبرون ممرات المحاكم وسراديبها، ثم هم في حاجة ماسة لأناقة فوق العادة، يرمون بها عيون المشككين في مجتمع ينخدع بربطة العنق ورائحة العطر، والمشية الهوينى، فتفتح لهم الأبواب بلا سؤال الهوية، ومع “شي بركة” من لغة القانون التي يعجنونها أمام مريديهم كما يحلو لهم، تكتمل الخدعة، ويدخلها السذج آمنين مستسلمين.

لكن هل تُقضى حوائج بعض الناس بهذه الطريقة؟، للأسف هناك أحاديث بين الصحيحة والضعيفة تتحدث عن “تسعرة الأحكام”، لكن هناك أيضا قضاة أهل ورع وكفاءة وحكمة وعدل، لا يساومون ولو بوزنهم ذهبا، يصيبون ويخطئون في أحكامهم مثل باقي خلق الله.

هذا هو حال المخادعين والمحتالين، يتحينون الفرص لاغتنام ريبة الناس ليس فقط في القضاء، بل في الدولة بمؤسساتها، ثم يعرضون خدماتهم، مستغلين في ذلك رهطا من الغشاشين المتاجرين في مناصبهم في قلب المؤسسة العمومية يكونون لهم ظهيرا، وييسرون لهم التسلل إلى جيوب “أصحاب الحاجة”، ما دام “صاحب الحاجة أعمى”، كما يقول الفقهاء، يقضون لهم حاجة ويقضون معها على الأمل وعلى الحق وعلى الثقة، ولا قضاء على أمثال عادل، إلا بترسيخ ثقافة القانون، وتوضيح شكل وصورة العدالة، واعتماد المكاشفة والنجاعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع استحضار الضمير المهني، ورقابة الله عند إحقاق الحقوق، وما دون ذلك سينبت بدل عادل عادلون في الإسم، لكنهم قذرون ممقوتون في السلوك، هم ومن يخفونهم تحت جلابيبهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق