رهام اليماني : كاتبة هاوية للخواطر تهدي كلماتها لروح أبيها رحمة الله عليه

صحيفة 24 / أحلام مدني

رهام اليماني ، ذات العقدين و سنة ، طالبة بالمدرسة الوطنية للتجارة و التسيير بطنجة ، كاتبة هاوية للخواطر ، الأشعار و القصص القصيرة ، رهام كان فقدان أبيها كإنكسار بالنسبة لها ، كان كذلك و لا يمكن جبره أبدا ، و كانت هذه فضفضة رهام لأبيها رحمة الله عليه :

ها أنا من جديد أعود لنقطة الصفر ، لانكسار سنوي أعيشه في مثل هذا اليوم من السنة ، ها أنا أعود لأعانق حلم صبية لم يشأ ما تمنته أن يتحقق ، ها أنا أعود لنقطة البداية أو ما أسميته بالمنعطف : أعود لأجدد ثوب الحزن علي لأذكرني بأن الحزن لن يفارقني مهما حاولت ابعاده او تلافيه ، أنني أكتب الآن من بقايا إنسان لا يملك في الدنيا شيئا سوى ذاكرة و ذكريات ، إنني أكتب لأخفف الوجع الذي لم ينقض ، سبع سنوات عشتها معه : أ كان عمري من دونه هو ثمن تلك السبع سنوات ، يا له من ثمن موجع و مكلف !! لا أملك منه سوى قليل من الذكريات ، قليل من اللحظات السريعة و كثير من الألم و الوجع ، فراغ كبير ذاك الذي خلفه فراقك ، و حنين أكبر !
أ تعلم لم أشأ حتى أن أتذكرك بيني و بين ذاتي و لم تشأ عيناي التضحية بدموعها لتنزل ! لا أعلم لم لا أبكيك حتى و إن انفردت بذاتي ، لا أعلم لم أحتفظ بقساوتي و حدتي حتى و إن كان الموضوع يتعلق بك ؟ ثقل كبير ذاك الذي أحمله على كتفي : وجع ببوح الحنجرة يأبى أن يصدح بملئ صوته ليفرغ عما أثقل كاهله ! لطالما كنت نقطة ضعفي بيني و بين ذاتي و نقطة قوتي أمام الجميع : لا زلت اذكر أنني كنت أخفي تأثري حين ينزلق الحديث الى سياقك ، كنت أخفي هزاتي التي تخلف براكين ما تفتئ ان تدمر توازني و تشتت انتباهي ! لا زال جزء في لم يكبر ، لا زال ظل الطفلة ذات السبع سنوات يحوم حولي ، لم تشأ الرحيل ! ربما قد تكون عزائي الوحيد في دنيا لا توجد فيها أنت ! ربما قد تكون طيفا يحمل رائحة سيجارتك او بحة صوتك او زاوية جلوسك . في مكان ما من الغرفة كانت نظاراتك التي كنت أضعها و كانني كنت أود أن أحس بشموخك ذاك حين تضعها أنت ، و هناك بالضبط تتواجد أوراقك البيضاء التي كانت ملأى بحروف أبجدية تعلمتها على يدك و ملأى أيضا برسوم كنت ترسمها لأجلي . و هناك في الزاوية كانت أدوية السكري خاصتك ، و هناك في الجانب الملكي للغرفة كنت انت ! كان ذاك جناحك !
لا أزال أذكر كل تفصيلة جادت بها الذاكرة علي ربما أجد لنفسي مهربا من واقع أرفض التواجد فيه ، ربما أرجع لتلك الطفلة التي لا زالت تحيا داخلي …
يقال أن الألم يزول مع مرور الوقت ، أو أن حدته تقل مع تتالي الأيام و الأعوام ! و أنا أقول أن الألم لا يزول بل يجد لنفسه مكانا داخلنا فيعودنا على حضوره !
يصعب الحديث عن الامنا و بالاخص عن تلك التي تبقى أعراضها الى الابد !
ست أيام تفصلني عن تخليد ذكراك الثانية عشر ، ست أيام كانت تبقت لي من حياتي معك ، ست أيام كانت تفصلني عن فراقك ، ست أيام ! لا أعلم ما علي قوله و لا علم لي بما سأبدأ به ، لقد كنت دائما مصدر ضعفي و عجزي : كنت أستطيع إثبات قوتي للجميع الا أنت !
ربما ضعفي نابع من ندرة اللحظات التي جمعتنا سويا أو ربما نابع من ضعف ذاكرتي …
ستة أيام تفصلني عن أول ثورة خضت تفاصيلها ! و كم من الثورات تتالت بعدها !
ها هو عام جديد سينضاف لسنواتي من دونك ، و ها هي سنتي الأولى التي سأخلد ذكراك فيها و أنا بعيدة عنك
لا أزال أذكر نشيدا كنت أحضرته لي على قرص مدمج و هو ما لا يزول من ذاكرتي :
يا نسمة تمر بي * خذي فؤادي و اذهبي
و قدميه عاطرا * هدية إلى أبي
أ تعلم لم أشعر بالغيرة قط من أي شخص في طفولتي لأن أباه لا يزال معه و الآن لا أدري ما يصيبني ، لم أعد أحتمل فكرة أن يتحدث أحدهم عن أبيه أمامي ، أشتد غيظا و أود لو أن صوت من يتحدث اختفى و لم تعد أذناي تسمعانه
اليوم يوم الوداع ، في مثل هذا اليوم فرقنا القدر للأبد و باعد مسارينا عن بعضهما ، افترقنا و لم يعد لنا وجود ، أ تعلم ؟ أول مشهد رأته عيناي اليوم هو مشهد طفل يمسك بأصابعه الصغيرة يد والده بإحكام
و كم ضاعت سنوات لم أمسك يدك فيها ! لماذا حرمنا القدر تلك اللحظات ، أ لم اكن أستحقها ؟
لا أستطيع في مثل هذا اليوم سوى التفكير : ماذا فعلت لأحرم منك ، لأحرم من شد يديك و تكبيلهما بين أصابعي تعذبني ظنوني و تشل تفكيري و تجتاحني أفكار لا تمل من إحباطي لا لشيء سوى أن الاحساس بالفقدان أصعب من الفقدان بذاته ، فالفراغ الذي يتركه رحيل أحدهم من حياتنا أشبه بانتزاع جزء منك لا يمكنك العيش من دونه ، و هذا ما يحدث إذ أننا نحيا بلا حياة ، ربما نسرق من القدر بعض اللحظات التي تتخللها دقائق من السعادة و ربما نسرق منها دهرا من السعادة إلا أن الفراغ الذي يبقى بداخلنا لا يملأه أحد : هناك أشخاص في هذه الحياة لا يمكننا تعويضهم تمر السنين و يخمد الألم لكن الذكرى تظل تنهش فيك مدى الحياة .
بقلم رهام اليماني .

loading...

شاهد أيضاً

ضحى هواري خيري _ صدقا أحببتكِ !

صحيفة 24 _ أحلام مدني صدقا أحببتكِ ! بقلم الرائعة ضحى هواري خيري و حصريا على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *