fbpx

المجلس الأعلى للحسابات و الاختلالات التدبيرية للمؤسسات السجنية

من إعداد :  يوسف ظريف باحث في العلوم الادارية والمالية

كان للحركة الحقوقية أثر كبير في تعزيز مسار حقوق الإنسان بالمغرب على مستويين، يتمثل الأول في الضغط نحو دفع السلطة في المغرب إلى المصادقة على الكثير من المعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، وإصلاح وسنّ مجموعة من التشريعات انسجامًا مع التحولات المجتمعية والتطورات الدولية في هذا الشأن. ويرتبط الثاني بترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في أوساط المجتمع.

وتحت تأثير المتغيرات الداخلية والتحولات الدولية الكبرى التي أفرزها انهيار المعسكر الشرقي وما رافق ذلك من تزايد الاهتمام الدولي بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ سعى المغرب إلى تكييف منظومته القانونية مع المعايير الدولية المتعارف عليها في مجال حقوق الإنسان. وتم إحداث مجموعة من المؤسسات، مثل: هيئة الإنصاف والمصالحة، ومؤسسة الوسيط، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان.

لقد قامت الدولة المغربية بمجموعة من التدابير للحد من إشكالات المؤسسة السجنية؛ حيث تم فصل مسؤولية إدارة السجون عن وزارة العدل، كما أُحدثت مندوبية (إدارة) عامة للسجون، واعتمد قانون 98/23 الذي تسعى مقتضياته إلى دعم أمن وسلامة وكرامة السجين، وإعادة إدماجه داخل المجتمع، وتقديم التدريب والتعليم للسجناء قبيل إطلاق سراحهم. غير أن ذلك لم يمنع من استمرار الكثير من المشاكل والاختلالات داخل هذه المؤسسات.

 وبالتالي يجدر الإشارة إلى أنه  أنشئت إدارة السجون سنة1912 كمصلحة تابعة لمديرية الأمن العام، قبل أن تصبح في سنة 1956 مديرية تابعة للوزارة المكلفة بالعدل وقد تم الارتقاء بهذه الإدارة ابتداء من سنة 2008  إلى مندوبية عامة خاضعة لوصاية رئاسة  الحكومة تحت اسم “المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج” .وقد أنيطت بهذه المؤسسة مهمة إعداد والسهر على تنفيذ السياسة الحكومية في مجال إعادة إدماج السجناء، والحفاظ على سلامتهم وسلامة الأشخاص والمباني والمنشآت المخصصة للسجون، والمساهمة في الحفاظ على الأمن العام.

و بالتالي فإن هذه المؤسسات تحت قيادة المندوبية العامة للسجون ورغم كل الجهود المبذولة إلا أنه هناك مجموعة من المشاكل التي تعاني منها هذه المؤسسات السجنية من ضعف تدبير و غيرها من المشاكل التي تم رصدها بموجب التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات .

وانطلاقا من كل هذا يمكن تقسيم هذا الموضوع نظرا لأهميته على من الناحية القانونية و العملية و تأثيره على الواقع إلى محورين الأول سيتم الحديث فيه عن الإطار القانوني للمؤسسات السجنية وإشكالية الإكتظاظ و  المحور الثاني سيتم تخصيصه للحديث عن تقييم المجلس الأعلى للحسابات لعمل هذه المؤسسات من خلال التقرير الأخير لسنة 2019.

المحور الأول: الإطار القانوني للمؤسسات السجنية وإشكالية الاكتظاظ .

أولا وقبل كل شيء يمكن القول أن المادة الأولى من القانون رقم 23.98 قد اعتبرت المعتقل بمثابة كل شخص اتخذ في حقه تدبير سالب للحرية و تم إيداعه داخل مؤسسة سجنية. كما يعتبر معتقلا احتياطيا كل معتقل لم يصدر في حقه مقرر قطعي بالادانة،سواء كان ظنينا أو متابعا أو متهما. بالإظافة إلى أنه في فقرتها الثالثة اعتبرت المدان هو كل شخص معتقل صدر في حقه مقرر قطعي بعقوبة سالبة للحرية وفي فقرتها الأخيرة اعتبرت أن المكره بدنيا هو كل شخص اعتقل في نطاق مسطرة الإكراه البدني.

وبالتالي فإن المؤسسات السجنية حسب المادة الثانية من القانون رقم 23.98 هي عبارة عن مؤسسات تستقبل الأشخاص الصادرة في حقهم تدابير قضائية سالبة للحرية بحيث تقسم هذه الأخيرة إلى قسمين سجون محلية وهي مخصصة بصفة عامة لإيواء المعتقلين الإحتياطيين و المحكوم عليهم  بعقوبات قصيرة الأمد والمكرهين بدنيا، و مؤسسات سجنية مخصصة لإيواء المدانين و هي المنصوص عليها في المادة الثامنة من من نفس القانون المشار إليه أعلا حيث جاءت كالتالي” السجون المركزية، السجون الفلاحية، السجون المحلية، مراكز الإصلاح و التهذيب”. بحيث تختص الأولى لإيواء المدانين المحكوم عليهم بعقوبات طويلة الأمد أما بخصوص السجون الفلاحية فهي تحدث على مستوى كل جهة و هي ذات نظام شبه مفتوح اتنفيذ العقوبات تختص بالتكوين المهني في الميدان الفلاحي وبتهييئ بعض المدانين الذي اقترب الإفراج عنهم للعودة إلى الحياة العادية أما بالنسبة للسجون المحلية فهي تختص بتلقين المدانين تبعا لمؤهلاتهم تكوينا مهنيا، قصد تأهيلهم للاندماج في الحياة العملية بعد الإفراج عنهم. بالإضافة إلأى أن مراكز الإصلاح و التهذيب حسب المادة 12 من نفس القانون المشار إليه أعلاه “رقم 23.98″ هي عبارة عن وحدات متخصصة في التكفل بالأحداث و الأشخاص المدانين الذين لاتتعدى أعمارهم 20 سنة قصد إعادة إدماجهم في الوسط الاجتماعي أو بعبارة أخرى يصطلح على هذه الوحدات ب”الاصلاحية” حسب اللغة العامية المغربية .

تجدر الإشارة إلى أن القانون رقم 23.98 المتعلق بتدبير المؤسسات السجنية بالمغرب جاء بمجموعة من المقتضيات التي تدافع عن حقوق السجناء و تضمنها لكن يبقى السؤال المطروح هل فعلا هذه الحقوق مكفولة و هل هذه المؤسسات مسيرة بشكل عقلاني من جميع النواحي بالنسبة للسؤال الأول سيتم الإجابة عنه في هذا المحور على أن نخخص محورا أخرا للحديث عن تدبير هذه المؤسسات.

فبخصوص الاشكالات التي تعاني منها المؤسسات السجنية بالمغرب من ناحية ضمان حقوق السجناء و هي كالتالي:

 أصبح الاكتضاض داخل السجون المغربية يشكل معضلة حقيقة تطرح أكثر من إشكال قانوني و حقوقي ، حيث تزايدت التقارير والدراسات التي تحذر من تداعياته الخطيرة على المعتقلين و على وظائف المؤسسات السجنية بشكل عام، فهو يؤدي إلى خلق ظروف اعتقال من شأنها إضعاف قدرة المنظومة السجنية على الاستجابة لحاجيات الأشخاص النزلاء، سواء فيما يتعلق بالعناية الصحية و التغذية و الإيواء و التكوين و الترفيه .

و يؤكد الكثير من الخبراء على أن هذا الاكتظاظ هو نتاج طبيعي للمقاربة الأمنية التي تتعطى بها المؤسسة القضائية و مختلف المؤسسات المعنية مع الظاهرة الإجرامية حيث تشير المعطيات الإحصائية إلى أن نسبة السجناء في إطار الاعتقال الاحتياطي يشكلون ما بين 40 و 60 في المائة من مجموع المعتقلين.

رغم المبررات التي تطرح بصدد الاعتقال الاحتياطي من حيث حفظ أمن المجنمع و ضمان سير التحقيقات و تنفيذ الأحكام و منع المتهم من العودة إلأى ارتكاب الفعل الجرمي، تؤكد الكثير من الدراسات أن هذا الاجراء غالبا ما ينطوي على مساس بحرية و حقوق المتعم في محاكمة عادلة حيث يتم حبسه في ظل غياب حكم يقضي بإدانته، بما “يتعارض تماما مع تواتر استعمال هذا الاجراء” خارج أي اعتبار لطبيعته الاستثنائية يمس بالأمن القانون و قرينة البراءة التي تعد أساس المحاكمة العادلة، كما يعد مسؤولا بدرجة أولى عن ظاهرة الاكتظاظ الكبير الذي تشهده السجون المغربية، و في التقرير السنوي للمرصد المغربي للسجون لسنتي (2011-2012) على أن عدد المعتقلين ارتفع إلى 11463 سجينا بين سنة 2008 و سنة 2012. و في التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات فقد ارتفع عدد السجناء بين 2012 و 2017 ما يقارب 13000 سجين و بالتالي هذا يعتبر بمثابة خطر كما أنه يعبر عن تزايد للعدد المعتقلين مما يدل على عدم التأطير ووجود اختلالات تدبيرية في منظومة المؤسسات السجنية بالمغرب بالإضافة إلى هذا الاشكال هناك مجموعة من الاشكالات أخرى التي تعاني من المؤسسات السجنية بالمغرب و على الرغم من كل هذا لا يمكن إعطاء حكم قيمة على مجهودات هذه المؤسسات برأي خاص لأنه سيغلب عليه الجانب العاطفي كما أنه إعمالات لمقولة أحد أساتذتنا “نحن لا نبخس الناس أشيائهم وهناك بنيات تشتغل على حد قول أستاذنا”.

و على هذا الأساس سنحاول الإجابة عن التساؤل المتعلق بتدبير المؤسسات السجنية عن طريق مؤسسة تابعة للدولة و هي مؤسسة عليا تهتم بالمراقبة المالية تم إحداثها بموجب القانون رقم 62.99 و الحديث هنا عن المجلس الأعلى للحسابات و ذلك بالاستناد إلى تقريره الأخير و الذي درس فيه تدبير المؤسسات السجنية بالمغرب و الصادر في أواخر سنة 2019.

المحور الثاني: المجلس الأعلى للحسابات ووضعية تدبير المؤسسات السجنية.

ركزت مهمة المراقبة التي قام بها المجلس الأعلى للحسابات على الجوانب المتعلقة بأنسنة ظروف الاعتقال وتأهيل المعتقلين وذلك خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2012 و 2017، وقد أسفرت هذه المهمة عن تسجيل عدة ملاحظات واقتراح عدة توصيات، يمكن إجمالها فيما يلي:

بخصوص حكامة المؤسسات السجنية فقد خلص المجلس الأعلى للحسابات إلى مجموعة من الملاحظات، تخص أساسا ما يلي:

اللجنة المشتركة بين الوزارات بحيث أن الملاحظة الموجهة في هذا الإطار تتجسد في كون أنه لم يتم إحداث هذه اللجة إلا بعد مرور 6 سنوات من التنصيص عليها في المادة 2 من الظهير الشريف رقم 1.08.49 الصادر بتاريخ 29 أبريل 2008 بخصوص تعيين المندوب العام لإدارة السجون غير أن تحديد تأليف هذه اللجنة و اختصاصاتها لم يتم إلا في سنة 2014،غير أنه لم تعقد هذه اللجنة أي اجتماع إلا بعد مرور 10 سنوات من إحداثها و كان أوا اجتماع لها في ماي 2018،وهو ما حال دون قيامها بالمهام المنوطة بها في مجال تطوير أداء المؤسسات السجنية وتحسين أوضاع السجناء.

اما بخصوص  اللاتمركز بالإدارة السجنية فرغم اعتماد تنظيم لامركزي للمندوبية العامة، لوحظ ضعف مشاركة المديريات الجهوية في تسيير المؤسسات السجنية التابعة لها، بحيث لم يتم  تفويض العديد من الصلاحيات إلى هاته المديريات، وفق ما هو منصوص عليه في قرار رئيس الحكومة رقم 3.26.15 الصادر في 15 يوليوز 2015، بتحديد اختصاصات وتنظيم المصالح اللاممركزة للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج.

كما أنه في مسألة تدبير الموارد البشرية جاء في تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن المندوبية العامة تعاني  من ضعف التأطير داخل المؤسسات السجنية (عدد الموظفين مقارنة مع عدد السجناء)، وكذا شغور عدد من مناصب المسؤولية، وعدم تعيين عدد من المديرين داخل الإدارة المركزية، بحيث تقوم بتعيين مسؤوليها بالنيابة في انتظار إدخال إجراء تنظيمي يسمح لها بالقيام بتعيينات دون المرور بنظام الترشح، والذي تعتبره المندوبية غير ملائم مع طبيعة المؤسسات السجنية.

في هذا الصدد، لا تتعدى نسبة التأطير 14 بالمائة و هو ما يظل منخفضا مقارنة مع  مع نسب التأطير داخل المؤسسات السجنية بعلى مستوى 13 دولة أوروبية  و التي تتراوح بين 25 و 99 بالمائة كما جاء في تقريره.

وعليه، يوصي المجلس الأعلى للحسابات المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بما يلي:

– ضمان عقد اجتماعات منتظمة للجنة المشتركة بين الوزارات وفقا للإجراءات التنظيمية المعمول بها مع مراعاة أهمية التوجيه في اتخاذ القرارات المتعلقة بتسيير المؤسسات السجنية؛

– وضع برنامج لتنزيل اختصاصات المديريات الجهوية؛

 – تعزيز وتثمين الموارد البشرية لمواجهة الزيادة في عدد نزلاء المؤسسات السجنية

اما بخصوص تدبير الممتلكات العقارية لمؤسسات السجون يلاحظ المجلس الاعلى أنه تعرف العديد من هذه المؤسسات السجنية ارتفاعا في نسبة الاكتظاظ (44 بالمائة من المؤسسات السجنية).بالإضافة إلى عدم ملاءمتها مع متطلبات السجناء ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو ما يحول دون القدرة على الالتزام بالتصنيف الجنائي للمعتقلين، وفقا للقانون رقم 23.98 في مادته 22.

ولمعالجة مشكلة الاكتظاظ، خططت المندوبية العامة، منذ سنة 2012، لتنفيذ عدد من الإجراءات تهم، خصوصا، بناء مرافق جديدة مطابقة للشروط الدنيا للإقامة، واستبدال المباني القديمة والمتهالكة وتلك الواقعة على مقربة من المناطق السكنية، فضلا عن تعزيز الطاقة الاستيعابية عن طريق عملية توسيع بنايات بعض المؤسسات السجنية. غير أن هذه التدابير تواجهها بعض الصعوبات نلخصها فيما يلي:

عدم الوفاء بجميع الالتزامات المالية المتعلقة بتنفيذ برنامج نقل السجون.

عدم تثمين المؤسسات السجنية التي تمت إعادتها للدولة.

عدم استجابة معظم الأوعية العقارية للشروط والمعايير المعمول بها بخصوص برنامج استبدال السجون المتواجدة بالوسط الحضري.

عدم تسوية الوضعية العقارية لجزء من الممتلكات العقارية التي تم تفويتها للمندوبية العامة لإدارة السجون.

عدم التحكم في تكاليف بناء المنشئات السجنية.

 التأخر في إنجاز بعض المؤسسات السجنية.

ارتفاع تكاليف تحديث المؤسسات السجنية.

 التأخر في تسوية الوضعية العقارية الخاصة بالمعاقل الإدارية.

عدم احترام الشركات المستفيدة من استغلال الأراضي الفلاحية لمقتضيات اتفاقية الشراكة في مجال تكوين السجناء وإعادة إدماجهم.

تأخير في تفعيل مقتضيات بعض اتفاقيات الشراكة وهي كالتالي:

  1. اتفاقية شراكة بين المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج والمكتب الشريف للفوسفاط
  2. الاتفاقية المبرمة بين المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج ووكالة التنمية للمنطقة الجنوبية

لذا، يوصي المجلس الأعلى للحسابات المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج للقيام بما يلي:

 – تنفيذ برنامج نقل السجون المتهالكة داخل الوسط الحضري للحد من ظاهرة الاكتظاظ؛

– تحيين وتسوية الوضعية الإدارية لممتلكاتها العقارية؛ – السهر على اقتناء أراض تستجيب لإكراهات ومعايير بناء المؤسسات السجنية؛

 – التحكم بشكل أفضل في تكاليف بناء المؤسسات السجنية التي تقوم بإنجاز أشغالها، والعمل على الاختيار الأمثل للشركات التي ترسى عليها طلبات العروض؛

 – التتبع المنتظم لأشغال البناء من قبل متخصصين وفقا للقواعد التقنية المتعارف عليها دوليا والعمل على إنجاز مشاريعها داخل الآجال المحددة مسبقا؛

 – العمل على استكمال إجراءات تفويت الأوعية العقارية الخاصة بالمعاقل الإدارية لصالح المندوبية العامة؛

– الحرص على احترام مقتضيات الاتفاقيات من قبل الشركاء، واللجوء، عند الاقتضاء، إلى تطبيق العقوبات والمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالمندوبية العامة.

و بخصوص التدبير الأمني بالمؤسسات السجنية فالمندوبية العامة تعتمد  في تنفيذ المهام الأمنية المنوطة بها على تدابير قائمة على الأمن المادي والأمن الإجرائي.

بالنسبة للأولى  أي ” التدابير الأمنية المادية بالمؤسسات السجنية”،يبرز تقييمها  داخل المؤسسات السجنية وجود العديد من وجوه القصور التي يمكن إيجازها فيما يلي:

عدم احترام المقتضيات القانونية المتعلقة بالاعتقال الانفرادي داخل السجون

قصور البنيات التحتية الأمنية للمؤسسات السجنية .

 نقص في تجهيزات المراقبة الإلكترونية لمحاربة تسريب الممنوعات

 اختلالات على مستوى أنظمة المراقبة بالفيديو

 محدودية أجهزة الوقاية ومكافحة الحرائق

أما بالنسبة للثانية أي “التدابير الأمنية الإجرائية بالمؤسسات السجنية” و من أجل تحسين التدابير الأمنية الإجرائية داخل المؤسسات السجنية، قامت المندوبية بتوحيد المساطر الأمنية داخل المؤسسات السجنية، عن طريق إعداد ثلاثة دلائل للمساطر شملت التدبير الأمني وتدبير الأزمات والوقاية من الحرائق. ولقد أفرزت مراقبة التدابير الإجرائية الأمنية وتنفيذ هذه الدلائل الملاحظات المتعلقة بالجوانب التالية:

عدم احترام القواعد القانونية المتعلقة بالتصنيف الجنائي للسجناء.

قصور في تنزيل التدابير المسطرية المتعلقة بالتصنيف على مستوى المؤسسات السجنية.

غياب نظام داخلي خاص بالمؤسسات السجنية.

عدم ضبط هويات المعتقلين ونسبة حالات العود.

 تقييم فعالية المهمة الأمنية داخل المؤسسات السجنية حيث أسفر فحص الأهداف الخاصة بمؤشرات الفعالية المتعلقة بالأمن داخل المؤسسات السجنية عن النتائج التالية:

 – بالنسبة لمعدل الأحداث، أظهرت الإحصائيات المسجلة داخل السجون، خلال الفترة 2017-2012 ، منحا تصاعديا لعددها، حيث ارتفع العدد الإجمالي للمخالفات التي تم إشعار النيابة العامة بها من 18.091إلى 22.490  مخالفة. وبلغ، في المتوسط، معدل الحالات التأديبية التي تم ضبطها، خلال نفس الفترة، نسبة 30,40   في المائة. بينما بلغ معدل المخالفات التي تم إشعار النيابة العامة بها نسبة  27,76 في المائة نفس الأمر عرفه المعدل الإجمالي للاعتداءات، حيث انتقل من4.88 في المائة سنة 2012  إلى 8.24 سنة 2017. ويعكس هذا الارتفاع التي شهدته معدلات الاعتداءات والمخالفات تدهور الأوضاع الأمنية في المؤسسات السجنية؛

 – بالنسبة لمعدل التأطير الأمني، كشفت الإحصائيات الخاصة بسنة 2017عن نقص ملحوظ في عدد الموظفين  المكلفين بالحراسة والأمن داخل السجون، حيث يتراوح معدل التأطير الأمني حسب الجهات (عدد الحراس مقارنة مع عدد السجناء) خلال النهار ما بين 1/54 و1/13.في حين شهد نفس المعدل تراجعا كبيرا خلال  أما (الليل ليتراوح ما بين 53/1 و 176/1 ويصل أحيانا إلى 300/1 على المستوى الوطني، فيبقى المعدل العام للتأطير الأمني خلال النهار محدودا في 25/1   ليظل بذلك بعيدا عن الهدف المسطر في الإطار الاستراتيجي للمندوبية، والمحدد في 8/1  بالنسبة لسنة 2018.

ويساهم هذا النقص في الموارد البشرية، بشكل كبير، في إثقال كاهل الجدولة الزمنية الخاصة بالحراس، وتدهور الأوضاع الأمنية داخل المؤسسات السجنية. فبالرجوع إلى الأحداث التي عرفتها إدارة السجون بمركز الإصلاح والتهذيب لعين السبع بتاريخ 28 يوليوز 2016 والتي شكلت تهديدا للنظام العام، يتبين من خلال تقرير الحادثة، اقتصار المواردالبشرية المكلفة بالأمن في هذا المركز على 7 حراس مقابل 923 سجين أثناء وقوع الحادثة،أي بمعدل تأطير أمني  لا يتعدى 132/1  وهو الأمر الذي يوضح جليا الخطر اليومي الذي تشكله المؤسسات السجنية بسبب قلة الموارد البشرية.

تبعا لما سلف، يوصي المجلس الأعلى للحسابات بالعمل على ما يلي:

– الأخذ بعين الاعتبار المقتضيات القانونية المتعلقة بالاعتقال الانفرادي في مرحلة التصميم المعماري للمؤسسات السجنية؛

– مطابقة البنيات التحتية الأمنية للمعايير الدولية؛

– تعبئة الموارد الضرورية لتلبية الحاجيات الخاصة بتجهيزات المراقبة الإلكترونية لمحاربة تسريب الممنوعات داخل المؤسسات السجنية، ووضع خطة وقائية لصيانة هذه التجهيزات؛

– تعميم أنظمة المراقبة بالفيديو على المؤسسات السجنية، وتزويدها بقاعات للمراقبة وموظفين مؤهلين لتشغيلها؛

– الرفع من أداء أجهزة مكافحة الحرائق في المؤسسات السجنية وفق ما تقتضيه المعايير الأمنية؛

– الحد من توفر وسائل إضرام النار بداخل الزنازن؛ (أدوات التسخين، والسجائر، والأسلاك الكهربائية…)؛

 – احترام القواعد القانونية المتعلقة بفصل المعتقلين حسب الحالة الجنائية: (احتياطي، أو مدان، أو مكره لأسباب مدنية)؛

– تفعيل المقتضيات المسطرية الخاصة بتصنيف السجناء حسب الأنظمة الأمنية المقررة داخل المؤسسات السجنية؛

 –  السهر على إرساء التقنية البيومترية وتعميمها على جميع المؤسسات السجنية من أجل ضبط هوية السجناء وتحديد نسبة العود بشكل أدق؛

– تعبئة الموارد الضرورية من أجل الرفع من معدل التأطير الأمني داخل المؤسسات السجنية.

 و بخصوص تدبير تغذية السجناء ودكاكين المؤسسات السجنية فقد تم تسجيل الملاحظات المتعلقة بالجوانب التالية:

اتخذت المندوبية العامة عدة تدابير تشمل أساسا منع “القفة”، أو المؤونة، التي تجلبها أسر المعتقلين، وذلك بهدف تجنب تسريب الممنوعات إلى المؤسسات السجنية، والتخفيف من العبء الذي تتحمله هذه المؤسسات في تفتيش قفف المؤونة.

موازاة مع ذلك، قامت المندوبية العامة،خلال سنة 2016، بتعميم تفويت عملية تغذية السجناء إلى شركات خاصة، على مستوى جميع المؤسسات السجنية، بعدما انطلقت العملية بشكل تدريجي في عدد محدود من المؤسسات (ما يناهز 30 مؤسسة سجنية)سنة 2015 وذلك عن طريق إبرام صفقات إطار تمتد لثلاث سنوات على مستوى المديريات الجهوية، تمثلت في الصفقات، رقم 1/2017 على مستوى جهة الرباط سلا القنيطرة، و رقم 12/2017 على مستوى جهة فاس مكناس درعة تافيلالت، ورقم 14/2017 على مستوى جهة سوس ماسة، و 1/2017 على مستوى جهة الدار البيضاء سطات، و15/2017 عبى مستوى جهة طنجة تطوان الحسيمة.والتي تشمل تزويد المؤسسات السجنية بالمواد الأولية بصفة منتظمة، وتخزينها، ثم إعداد الوجبات الغذائية وتوزيعها على السجناء.

ورغم المجهودات المبذولة لمواصلة تحسين تغذية السجناء، فإن هذه العملية تشوبها مجموعة من الاختلالات والنواقص تتمثل أساسا فيما يلي:

قصور في آليات تتبع المراقبة المطلوبة بخصوص استلام المنتجات الغذائية.

نقص في تخزين المواد الأولية

 أوجه القصور المتعلقة بمرحلة تحضير الوجبات الغذائية

اختلالات مرتبطة بمرحلة توزيع الوجبات الغذائية

قصور في تتبع عملية تفويت تغذية السجناء إلى شركات خاصة

 تسيير دكاكين المؤسسات السجنية

تحمل المندوبية العامة لإدارة السجون لتكاليف مهمة مرتبطة بتسيير الدكاكين

اختلاف الممارسات المتعلقة بتسيير الدكاكين في غياب احترام للمساطر

وبالنظر إلى ما سبق، يوصي المجلس الأعلى للحسابات بما يلي:

– إعداد محاضر الاستلام عند كل استقبال للمواد الغذائية، وليس فقط في حالة عدم استجابة هذه المواد للمواصفات المطلوبة في دفاتر الشروط الخاصة؛

– توفير فضاءات تخزين كافية وغرف “التبريد السلبي” اللازمة لضمان مخزون الأمان على مستوى جميع المؤسسات السجنية؛

– وضع حد للممارسة المتمثلة في السماح للسجناء بإعداد وجبات الطعام داخل الزنازين، نظرا لما تحمله هذه الممارسة من مخاطر؛

– دراسة إمكانية توفير قاعات الطعام بالمؤسسات السجنية وفقا للممارسات الدولية الجيدة؛

 – السهر على تدبير أفضل لدكاكين المؤسسات السجنية.

 أما بالنسبة للرعاية الصحية في المؤسسات السجنية فقد  تم تسجيل الملاحظات التالية:

التأخر في إعداد استراتيجية الرعاية الصحية.

 التأخر في تنفيذ اتفاقية تعزيز الرعاية الطبية للسجناء والسجناء المفرج عنهم.

غير أنه لوحظ أن المشاريع موضوع الاتفاقيتين عرفت تأخرا في الإنجاز مقارنة مع الإجراءات المسطرة والتزامات  الأطراف المتعاقدة.

 ضعف مساهمة مصالح وزارة الصحة

غياب مساطر موحدة ومعممة

ضعف تتبع الحالة الصحية للسجناء

خصاص في البنيات التحتية والمعدات الطبية بالمؤسسات السجنية

 توزيع غير ملائم للأطر الطبية وشبه الطبية وعدم احترام ساعات العمل

نقائص متعلقة باللجوء إلى الأطباء المتعاقد معهم

نقائص في تدبير الأدوية

وبناء على ما سبق، يوصي المجلس الأعلى للحسابات المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بما يلي:

– إعداد دليل للمساطر خاص بالمصالح الصحية بالمؤسسات السجنية لتوحيد الممارسات داخل هذه المصالح؛

– تزويد المؤسسات السجنية بالمرافق والمعدات الطبية اللازمة، ووضع مساطر موحدة لصيانة وإصلاح هذه المعدات؛

– ضمان تغطية طبية  متوازنة بين مختلف المؤسسات السجنية؛

 – وضع مسطرة واضحة لتدبير الأدوية، تسمح بتحديد الاحتياجات من الأدوية وشرائها وتخزينها وتوزيعها على النحو الأنجع.

 أما بخصوص النقطة الأخيرة المتعلقة بتأهيل المعتقلين  لتسهيل إدماجهم إحدى المهام الرئيسية المخولة للمؤسسات السجنية بموجب المرسوم رقم 2.00.485 الصادر في 3 يونيو 2000 بتطبيق القانون رقم 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية.

وفي هذا الصدد، وقف المجلس الأعلى للحسابات على عدة ملاحظات، نذكر منها:

عدم استخدام الاعتمادات المالية المفتوحة من أجل تأهيل المعتقلين لإدماجهم.

 تأخير في إحداث مراكز التكوين.

انخفاض معدل تأطير السجناء في الأنشطة المخصصة لإعادة الإدماج.

قصور بخصوص تنفيذ برنامج التعليم والتكوين المهني في المؤسسات السجنية.

 معيقات تنفيذ برنامج التعليم العالي.

ضعف ولوج السجناء للأنشطة الرياضية والثقافية وغيرها من الأنشطة.

 صعوبات بخصوص تنفيذ برنامج التكوين الفلاحي على مستوى المؤسسات السجنية،كما تجدر الإشارة أيضا إلى أن برامج الاستثمار المتعلق بالمؤسسات السجنية لسنة 2011 لا ينص على بناء سجون فلاحية، بينما تنص المادة 10 من القانون رقم 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية على أنه تعتبر السجون الفلاحية التي تحدث على مستوى كل جهة مؤسسات ذات نظام شبه مفتوح لتنفيذ العقوبات. وأنه تختص هذه السجون بالتكوين المهني في الميدان الفلاحي، وتهييئ بعض المدانين الذين اقترب الإفراج عنهم للعودة إلى الحياة العادية،ويشير الفصل 83 من مجموعة القانون الجنائي على أن “الوضع القضائي في مؤسسة فلاحية هو إلزام الحكم للمحكوم عليه من أجل جناية أو من أجل أية جنحة عقابها الحبس قانونا بأن يقيم في مركز مختص يكلف فيه بأشغال فلاحية وذلك إذا ظهر أن إجرامه مرتبط بتعوده على البطالة أو تبين أنه يتعيش عادة من أعمال غير مشروعة”.

انخفاض معدل النزلاء الذين يستفيدون من التكوين الحرفي.

انخفاض معدل المستفيدين من مردود عمل السجناء في الإنتاج الحرفي.

 تأخر تنفيذ الاتفاقية المبرمة مع الجمعية المغربية لصناعة وتجارة السيارات.

وبناء عليه، يوصي المجلس الأعلى للحسابات بأن يحترم شركاء المندوبية العامة وأعضاء اللجنة المشتركة بين الوزارات المعنية بتنفيذ اختصاصات المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج التزاماتهم، لا سيما فيما يتعلق بتأهيل المعتقلين قصد تسهيل إدماجهم.  ويوصي المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بما يلي:

– توفير التجهيزات والمواد الديداكتيكية في مختلف أنشطة التعلم أو تأهيل المعتقلين قصد تسهيل إدماجهم؛

– ضمان إنجاز مراكز التكوين المنصوص عليها في اتفاقات الشراكة، وذلك في أجال معقولة، وتزويدها بالموارد البشرية والمادية الكافية والضرورية لضمان استغلالها الأمثل؛

– تعزيز الطاقة الاستيعابية للمراكز البيداغوجية ومراكز التكوين المهني والفلاحي والحرفي وتكوين المكونين؛

 – الحرص على تعميم الاستفادة من برامج تأهيل المعتقلين قصد تسهيل إدماجهم؛

– العمل قصد الإمكان على إنشاء فضاءات مخصصة للأنشطة الثقافية والرياضية في السجون؛

– اتخاذ الإجراءات اللازمة للسماح، لأقصى عدد ممكن من السجناء المتطوعين، بالاستفادة من نظام العمل في الصناعة الحرفية واليدوية داخل السجون.

خاتمة

و ختاما للموضوع يجب على المؤسسات السجنية أو إن صح التعبير على المنظومة برمتها الاستجابة لتوصيات المجلس الأعلى للحسابات لأنها أظهرت مكامن الخلل بالنسبة لتدبير المؤسسات السجنية بالمغرب بمجموع جوانبها.

 كما أنه لا تخفى أهمية تأهيل موظفي المؤسسات السجنية وتمكينهم من التدريب اللازم ودعم تكوينهم القانوني وتعزيز ثقافتهم في علاقتها باحترام حقوق السجين وسبل رعايته وتهذيبه. إضافة إلى اعتماد برامج منتظمة لتأهيل السجناء لولوج مهن وحرف تدعم اندماجهم في المجتمع بعد الإفراج عنهم و هذا ما توجه التقرير الذي تم اعتماده في هذه الدراسة.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق