العمياء _ سارة مقيم

صحيفة 24 _ أحلام مدني

‘ العمياء ‘ قصة قصيرة بقلم سارة مقيم

ولدت عمياء ، هكذَا قدّر لي ، قالت لي أمّي أنها حينَ علمَت بذلك بكَت كثِيرا ، ليسَ لكَون ابنتها عميَاء ، ولكن لأنهَا استَحضَرت أمام عينيها حيَاتي كيفَ ستكُون لو رحَلت هي ، لأنّ الكفيف صعبُ أن يتحَمّله غير والديه !

سمّتني أمّي “جميلة” ، سألتهَا عن السّبب مرة ، فقالت لي أنها رأتني جميلَة جدّا في أول حضن ، وقالت لأبي كم هي جميلة ! كانوا سيسمُونني إلهَام ، هكذَا اتفقتِ العائلة قبل مولدِي في حالة كنت بنتًا .. لكن حينَ علمُوا بعميي ، قالت لهم أمّي هي جميلة وإن كانت لا ترى وسأسمّيها جميلة ..

مرحلة الخمسِ سَنوات الأولى كانت عادِية أو هكذا خيل لي ، لأنني لا أتذَكر من أحدَاثهَا سوى القليل ، لكن بعدَها أحسستُ بثِقلي ، بكونِي عبء ، تلزَمني عنَاية مضَاعفة ، بكَوني أكلّف أمّي وقتًا أطوَل ، تقُوم نيَابة عنّي بما عليّ فعلُه رغمَ كثرَة أشغَالها ، ويتّضح الأمر أكثر في المنَاسبَات والزيَارات العائلية .

لطالما أحسَست بتذَمّر أختِي ، حينَ تطلُب منهَا أمّي خدمَتي أو قضَاء أمر يخصّني ، كانَت تتأفّف حينَ تقطَع أشغَالهَا لتُحضِر لي كأس مَاء ، لذَلكَ كنتُ أفَضّل أن أظل ظمِئة على أن أطلبَها ، لكنّني بعدَ مدّة مع تكرَار التأفف تعوّدتُ أن أتحرك في المنزلِ ولو بصعُوبة ، تعرضتُ لحوَادثَ عدّة أثنَاء ذلك ، وكانَ أقسَاها حريقٌ في يدي ..

غيرَة أخي الصغِير أبصَرتهَا ببصيرَتي بينَ كلمَاته ، كلّما رأى أمّي تخدِمني بزِيادة أو تهتم بي ، كلّما سمِع أبي يلقِي علي بكلام يخفف عني وطأة واقعِي ، ذاتَ يوم أحضر لنَا أبي ألعابًا ، فاختَار ألة عزف صغيرة وقدمَها لي ، و علّمني كيف أعزِف عليها ، صرخَ حينَها أخي وقال لهم ، اعطوني اللعبَة ، هي عميَاء كيفَ ستلعَب بها !!

وأنا بينَ النسَاء سمعتُهن غيرَ مرّة يقلنَ عنّي بهَمس إنها الابنة العَمياء لسميرَة ، ربّما غابَ عنهن أنه رغمَ عميي فأنا أسمَع ! في عَائلَتي كنتُ كنذيرِ شؤم ، لم تكُن أمي تصحَبنِي معهَا إلى المنَاسبات ، منذُ أن قالت لهَا امرأة في عائلتِي ، رجَاء يا سميرَة لا تتركي ابنتك تقترِب من الرضيع ..

كنتُ أسمَعهم يذكُرون الكثيرَ من الألوان ، أسمَاء عديدَة ، بينمَا أعرف لونًا واحدًا فقط ، ولم أكن لأعرفَ اسمَه ، لولاَ أن أمي أخبَرتني ذاتَ يوم أنه الأسوَد .. وقَالت لي أختي بعدَها أن الأسود في واقِعنا يرمزُ للحزن والشّؤم ، لون السوء والشّر ، ربّما كلامها ذاكَ ما جعلنِي أرى حياتِي حزينَة وكئيبة ، وأرى نفسِي سوءًا ..

عندَما انتَشرت الهواتِف الخلَوية الذكِية ، اقتنَى أبي واحِدًا ، فاجتَمع الكّل حولَه عدا أنا ، سمعتُهم يضحكُون ويكتَشفونه ، أخذُوا صورًا عديدَة ، ولم ينتبِه أحدهُم لغيَابي ، كل الصّور كانت خالية منّي ، أحسستُ وكأني فرد زائد علَيهم ، وتمَنيتُ لو أنّني لم أٌخلق ، لو لم آتِ إلى الدّنيَا لكانَ أفضـل ..

في حفلِ زفَاف أختِي الكبرَى ألبسَتني أمي فستَانًا ، وجلستُ مع النّساء أستمع لثرثَرتهن ، لكن حينَ أوقعتُ بغيرِ قصدٍ كأس الشاي على إحدَى الحَاضرَات قادَتني عمّتي إلى أمّي ، وأمرَتها أن تقْفل علي في بيت ! وذلكَ ما فعَلت ، قالَت لي أمي وهي ترَافقني إلى بيتِها ، اصبِري يا ابنَتي ، مَا هي إلا ساعَات وسأكُون متفرّغة لك .. هكذَا أمضيتُ الحفلَ بينَ جدرَان أربعة …

كنتُ أشعر بالنّقص أكثَر حينَ أسمَع أخواتِي يرَاجعنَ دروسَهنّ ، يستَعدنَ لفرضٍ ما أو لامتِحان ، أتنَهد بصَمتٍ ، كونِي الوحيدَة التِي لم تحظَى بتعليم ، سأظلّ جاهِلة هكَذا طولَ حياتِي ؟! فيمَا كنّ هنّ يستمتعنَ بالتلفَاز والهواتفِ ، اكتفَيت بالمذيَاع ، أنصتُ إلى فقراتِه ، وأتابعُ برامجَه المفيدَة منها والمسلية ..

أمضيتُ أغلب أيّامي أستَمع إلى القرآن عبرَ شريط مسَجّل للقارئ عبد الباسط عبد الصّمد ، ولن أنسَى يومَ كنّا في البهوِ ، وكانَ أخي يستَظهِر على أبي سورةً من القرآن استعدَادًا للاختبَار فأخطَأ ، وبعفويّة صحّحت له ، تلكَ اللحظَة بالذّات كانت بدايَة تغيير في حياتي ، وكان عمري حينَها خمسَة عشر سنة ، علمَ أبي بحفظِي للقرآن وفرحَ بشدّة ، لم يكُن يتوَقّع ذلكَ أبدًا ، ويومَ أتممتُ استظهَاري ، أقسَم لي أن يحاوِل جاهِدًا مهمَا كلّفه الأمر لأجرِي عمليّة جراحِية لعيني ، جزَاءً لي ..

بعدَ أسبُوع ، كنتُ قد أجريتُ عدّة فحوصَات ، وأخذتُ موعدًا عندَ طبيب مشهُور ومشهُود له ، كنتُ جد متوتّرة ، خائفَة ، وفي نفسِ الوقت كنتُ متحَمّسة لأرى كل شيءٍ ، لأرى أمّي وأبي ، أخي وأخواتي ، العالَم المحِيط بي ، لأرى الجَمال الذي تحدثوُا كثيرًا عنه ..

عندَما وصَل موعِد الجرَاحة رافقَني والدَاي ، وعمّتي التِي تقطُن في تلكَ المدينَة وكنّا قد نزَلنَا عندَها عدّة مرّات في ذَلك الشّهر ، ودعتُهم بالدّموع ولسَانهم يدعُو لي بالنجاة والسّلامة ، رافقتنِي ممَرضة ، ودخلتُ الحجرَة ، بعدَها التَقيتُ بالدكتُور وعرّفني بنفسِه وطمأنني أن كل شيءٍ سيكون بخَير ..

استَيقظتُ بعدَ ساعَات ، وكانت الضمَادات على عيني ، لم أبصِر شيئًا ، وانتظرتُ أيّامًا حتّى أرى النّور لأوّل مرة ، عندَما أزَال الطبيب الضمَادة أمرنِي أن أبقِي على عيني مسدودَة ، ليتَكلّف هو بفتحهَا ، أبصَرت أول الأمر شعَاعًا من الضوءِ كانَ أبيضًا ، اخترقَ العينَ والقلبَ معًا ، شعُور جميل ومهِيب ، ثمّ فتح الثّانية ، وبعدَها رأيتُ الطبيب َثمّ أمي فأبي ، الدمُوع في عينيهما أخبرَتني بذلكَ ، شخصَين جميلين جدًّا ..

فرحَتي كانَت لا مثيلَ لها ، رأيتُ بعد عقدٍ ونصف جمالَ الحيَاة ، رأيتُ عائلتي ، رأيتُ الألوان المختَلفة ، والأشكَال العديدة ، رأيتُ الورودَ التي طالمَا انبهرتُ برائحَتها الزكيّة وملمَسها الرائع ، رأيتُ القمرَ الذِي تغنّى به الشّعراء ، والليلَ الذي قالوا عنه ملجأ العشّاق ، رأيتُ معالمَ مدينتي ، وأجزَاء بيتنَا التي حفظتُها عن ظهرِ قلب ، أصبحتُ ولأول مرّة مثلَ باقِي أفراد أ

loading...

شاهد أيضاً

لا شئ غير أحلامك _ أحلام مدني

صحيفة 24 _ أحلام مدني و في إطار سلسلة كوني كذلك أو لا تكوني التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *